الصفحة الرئيسية أخبار فتاوي كتب مقالات صوتيات ومرئيات انشر الموقع اتصل بنا البث المباشر جوجل بلس تويتر فيس بوك
مقصد سورة البقرة 3

 
تاريخ الإضافة : 2012-04-21
عدد الزيارات : 503

(ذلك)

المسألة الأولى: من هو المقصود بـ ذلك

المسألة الثانية: لِمَ لَمْ يقل (هذا الكتاب) لم قال سبحانه (ذلك الكتاب)

أ- إشارة إلى غائب

ب- إشارة إلى بعيد: علو منزلته وقدره. نظم الدرر (1/32)

- بعد مرتبة المشار إليها عن مرتبة كل كتاب سواه

- الغاية القصوى (القاصية) من الفضل والشرف. الجمل (1/16)

ج- ذلك الكتاب الذي عندك يا محمد r فقال: (ذلك) لما عند المخاطب أو غيره، بينما يقال (هذا) لما عند المتكلم.

(إذا لم تذكر هذه الحروف (ألم- حم- ...) قيل (هذا كتاب أنزلناه) لأنه عنده سبحانه على ما هو عليه حقيقة وهو عندنا متلو مكتوب كما يليق به). الخفاجي (1/285) نظم الدرر (1/32)

ألم:

إذا نظرت في سورة فيها ما يماثلها في عدد كلمها وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السورة أفراداً وتركيباً أكثر عدداً في عدد كلمها منها من نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها). ملاك التأويل (1/30)

هدى للمتقين: (لحظ في ذلك العناية فهو من باب التسمية بالمثال). الملاك (1/32)

المسألة الثانية: ما هو المقصود بالكتاب

- القرآن

المسألة الثالثة: لِمَ لَمْ يقل ذلك كتاب من ألا ريب فيه؟ لماذا محلاة (بأل)؟

(أل) استغراقية للكمال، استغراق الماهية تدل على الكمال في الكتاب الكامل. كما تقول: ذلك الرجل: أي الكامل في الرجولة. الزمخشري (1/19)

المسألة الرابعة: لماذا قال سبحانه (ذلك الكتاب) كأنه يشير إلى شيء معلوم عند السامع: وهي آية مدنية.

1- قيل: ان الله كان قد وعد أهل الكتاب أن ينزل على رسول الله محمد r كتاباً هذا هو

2- وقيل: هذا القرآن هو ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا.

3- وقيل: الذي قد نزل عليه بمكة (لا ريب فيه)

4- هذا القرآن هو الذي وعدتك أن أنزله عليك بمكة (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) أنت متشرف، مشتاق إليه فهو ذلك.

(لا ريب فيه)

المسألة الأولى: لِمَ لَمْ يقل سبحانه: لا شك فيه؟

ذلك لأن الريب يتضمن معان عدة أبلغ من الشك فهو يتضمن المعاني التالي:

1- الشك.

2- التهمة.

3- خوف: وأين هذا الأمر إذا دخل عليه شك وخوف. القرطبي (1/112)

4- الاضطراب: قال r (الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) فالريبة ضد الطمأنينة

فهو قلق النفس واضطرابها. قال r (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقال أحدهم في ظبي مرَّ عليه (لا يريبه أحد).

المسألة الثانية: لماذا وردت الآية بـ (لا) النافية للجنس؟

لأن المقصود المراد نفي عام واستغراق النفي. فالقرآن لا شك فيه ولا تهمة ولا اضطراب ولا خوف. بأي وجه من الوجوه وبأي حال من الأحوال وبأي شكل من الأشكال. القرطبي (لا في معناه ولا نظمه). نظم الدرر (1/32)

فهو في ذاته حق، وأنه منزل من عند الله تعالى، وأنه كلام الله تعالى، وصفة من صفاته، وغير مخلوق.

المسألة الثالثة:

كيف نفى المولى عز وجل الريب فيه، وكم من مرتاب فيه:

أ- لم ينف المولى تعالى أنه أحداً لا يرتاب فيه

ب- وإنما نفى أن يكون هو محلاً لوجود الريب فيه

لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان، لا يكون محلاً للريب فيه من الأدلة ما لو تأمله المنصف المحق، فإنه لا يرتاب فيه. الزمخشري (1/19) نظم (1/33)

فهو لا ريب فيه لطالب التقوى والباحث عنها (لا ريب فيه للمتقين) فهو (لا ريب فيه عند المؤمنين). انظر المجمل (1/6)

ج- ولكن من قرأه بزيغٍ ولم يرد الهداية به فإنه يرتاب لا من القرآن ولكن من متابعته للشياطين وشبهاته وزيغه، وإغلاق قلبه عن فهمه. لذا قال تعالى بعدها بآيات: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)

المسألة الرابعة: لم يقل تعالى (لا ريب فيه)

أ- لأن القصد نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق. لا باطل وكذب.

ب- فلو قدم (لا فيه ريب)

1- لما تحقق الهدف من نفي الريب نطقاً إنما يقصد من ورائه أن الريب في غيره لا فيه فكان المقصود أصبح هو إثبات الريب في غيره، وليس هذا مقصود الآية. فكتب الله تعالى السابقة لا ريب فيها وأحاديث النبي r لا ريب فيها

2- هذا جواب على سؤال الكتب كلها فيها ريب هل يوجد كتاب لا يوجد فيه ريب إنما ريب في غيره (لا ريب فيه)

3- ليتمكن به القراء فكان الوقف بالمعنيين: (ذلك الكتاب لا ريب). (ذلك الكتاب لا ريب فيه) فلو قدم (فيه) : (لا فيه ريب): لقرئت بمعنى واحد.

4- كما قال تعالى عن خمر الجنة: (لا فيها غول) وإنما الغول في غيرها.

(للمتقين):

المسألة الأولى: (فيه هدى للمتقين):

- هل القرآن هداية وإرشاد وبيان فقط للمتقين/ للمؤمنين؟

- ألا يكون هدى وبيان للكفار والمشركين؟

الجواب:

1- هدى للخلق أجمعين ولكنه خص المتقين تشريفاً لهم وكرامة لهم لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه

2- هدى لمن أراد التقوى: أي القابل للتقوى. ليس المراد أنهم كانوا متقين قبل هدايتهم. نحوه من الزمخشري (1/20) المجموع (16/ 587-588)

- فالمشارف للشيء يكتفي باسم الشيء أي صائراً إلى التقوى.

3- هدى للصابرين الذين سينتهون إلى التقوى. الذين سيتقون. الزمخشري (1/20) الجلالين/ المجمل (1/17)

4- لا ينتفع بالقرآن إلى المؤمنون: فهو الذي إذا ذكر به اهتدى واتقى الله تعالى.

أ- فهو في نفسه هدى (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) ولكنه لا يناله إلا الأبرار. ابن كثير (1/11)

ب- قال الله تعالى (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) وقال سبحانه (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً) وقال جل في علاه (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)

الذي يهتدي به الهداية التامة فهو الذي هديته به (أرشدته وذكرته به – فهديناهم فاستحبوا) أي أرشدناهم فاهتدوا

3- أي زيادة هدىً لهم كقولك للمكرم: أعزك الله/ أكرمك الله فهو طلب الزيادة قال ابن القيم (هداية أخرى تحصل له)

4- استدامة لهم

5- الهداية التامة هي إرشاد ثم استقامة وتوفيق فالقرآن هدى للمتقين. المجموع (16/156) (مختصر الكلام النافع)، الزمخشري (1/20)

6- ويهدي به كل من اتقى مساخط الله تعالى وغضبه قبل نزول الكتاب. ابن القيم (1/260)

- فبعض الكفار كان على شركه: وتبقى مساخط الله تعالى، ويكره الظلم والفواحش والفساد في الأرض، وهو شرك جهله بطريق النور. فقلبُه صافيٍ نقيٍ ولكنه جاهل (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)

فإذا رأى النور فهو أول المتبعين له.

السادسة: لم يقل سبحانه (هدى للذين سيتقون)

(السين) من كلمة (سيتقون) يفهم منها التسويف، وليس المطلوب تسويف الهداية بل الهداية ملازمة له.

أ- (سيتقون): فلا للتسويف.

ب- (المتقين): وإنما وردت الآية بـ (الاسم):

1- أي من رسخ في قلبه وثبت في قلبه طلب الهداية.

2- ورسخ في قلبه البحث عن الحق وإن لم يكن في تلك اللحظة متقياً إذ الباحث عن التقوى له حكم المتقين.

كما قال النبي r اثنان هما في الأجر سواء (رجل أتاه الله مالاً)... الحديث

ترتيب الآيات:

المسألة الأولى:

أ- جاءت هذه الجمل متآخية – أخذاً بعضها بعنق بعض في المعنى.

الكلام المتحدى به (ألم) أي هو ذلك الكتاب المنعوت بغاية الكمال تقريراً للتحدي. الذي بين يديك (ذلك) بين يدي المخاطب/ (هذا) بين يدي المتكلم.

ج- ثم نفى عنه أن يشاب (بتشتت) به طرف من الريب أو الشك أو الريبة أو الخوف تأكيداً وتقريراً لكماله

د- لذا فهو هدى لطالب التقوى ولسالك طريقها والمنغمس فيها قال سبحانه: (هدى للمتقين)

ب- المسألة الثانية: ما هي وجوه البلاغة في هذه الآية؟

نظمت بأجزل أسلوب وأكمل بلاغة:

أ- ففيها الرمز والإشارة في (ألم) فهي إشارة إلى المقصود بألطف وجه وأرشقه.

ب- (ذلك الكتاب) الذي بين يديك ما في التعريف من الفخامة

ج- (لا ريب فيه): تقديم الريب: فهو نفي الريب بأي وجه من الوجوه

د- الحذف: هدى لطالب التقوى المشارف لها (هدى للمتقين)

هـ- الإيجاز في (المتقين)

ج- مسألة ثالثة:

- وإنما يبدأ المتكلم بالاعتذار عما بدر منه أو ما سيبديه.

- إلا القرآن: فابتدأ بالتحدي وعدم الاعتذار وعدم الخلل.

(ويقيمون الصلاة)

المسألة الأولى: ما الحكمة من ورودها (يقيمون الصلاة) ولم يقل سبحانه (يصلون)؟

لأن الإقامة لها عدة دلائل فهي أبلغ من يصلون لما تتضمنه من المعاني الآتية:

1- الدوام والثبات والملازمة.

أ- قام الشيء: دام وثبت. وقام الحق: انتصب وثبت

ب- والملازمة ثابتون عليها- لم يتركوها، ملازمون لها.

ج- قال عمر t: (من حفظ الصلاة وحافظ عليها حفظه دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع)

2- التعديل والانتصاب: أقام العود: قومه وعدله. الزمخشري (1/22) تعديل أفعالها أي أحسن أداءها: بإتمامها. ابن كثير (1/65) والإتمام نوعان:

أ- اتمامها مجزئة: أداها بمواقيتها بشروطها وأركانها ووجباتها وترك محظوراتها وبوضوء واستقبال القبلة وقراءة الفاتحة وتسبيحة واحدة في الركوع والسجود. انظر ابن كثير

ب- إتمامها كاملة: أداءها مجزئة، وزاد عليها سننها ومندوباتها، وترك مكروهاتها، قرأ سورة أخرى مع الفاتحة. وأطال في القيام، وأطال في الركوع والسجود والتشهد. انظر ابن كثير

المسألة الثانية: ما الحكمة من ورودها بصفة المضارع (يقيمون) ولم ترد بـ (المقيمون الصلاة)؟

أ- الاستمرار والدوام على الصلاة لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرارية إلى الوفاة.

(ومما رزقناهم ينفقون)

المسألة الأولى: ما علاقة الصلاة بما بعدها؟

أ- الصلاة سبب للرزق.

ب- (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً. نحن نرزقك)

ج- كان r إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

المسألة الثانية: لماذا قدم (مما رزقناهم)؟ لِمَ لَمْ يقل سبحانه (ينفقون مما رزقناهم)

أ- للبيان بأنه لا ينفق إلا من رزق الله تعالى كقولك (من التمر أكلت) أي مأكولي تمراً لا زبيباً. ليس المقصود بعض التمر.(من مالي اشتريت البيت) لا تعني به بعض مالك، فقد لا يكون لك إلا هذا المال الذي اشتريت به البيت. الخفاجي (1/356)

ب- ليس له رزق إلا من الله تعالى قصة إبراهيم بن أدهم: فلا تأكل من رزقه.

ج- لو قيل (ينفقون مما رزقناهم): لكان الأهم في ذلك أنهم ينفقون ولكن المقصد أن ينفقوا من رزقنا لا من رزق غيرنا لأنه لا رزق لهم إلا من قبلنا

د- ما الفائدة فيها إشارات

- الإشارات/ أسرارها: بينما الآية تشير إلى أنهم:

أ- لا ينفقون إلا مما رزقناهم.

ب- لسنا نحن محتاجين إلى نفقتهم لأننا نحن الذين رزقناهم.

ج- إشارة إلى أن هذه النفقة هي شكر لرزقنا إياهم.

د- إشارة إلى أن الله تعالى كما رزقهم أولاً ابتداءً فسيرزقهم لإنفاقهم الرزق تحضيضاً وحثاً لهم للإنفاق

هـ- وكذا لأن الرزق والاكتساب قبل الإنفاق. الخفاجي (1/356)

المسألة الثالثة: لم يقل سبحانه (ومن الرزق ينفقون)؟ (أو من رزقنا ينفقون)؟ ولكنه قال سبحانه (مما رزقناهم)؟

أن ينفقون مما ملكناهم إياه، لا ينفقون من أموال غيرهم، مما ملكنا غيرهم فيعتدون على غيرهم ويظلمونهم

(الغصب) فلو غصبوا غيرهم فالأموال المغصوبة إذاً ليست ملكاً لهم، بل ما زالت هذه الأملاك المغصوبة لغيرهم.

فمن صفات المتقين أنهم ينفقون مما ملكناهم إياه ولا ينفقون مما ملكنا غيرهم.

(ينفقون):

المسألة الأولى:

ما المقصود بالنفقة أهي الواجبة أم المستحبة. القرطبي (1/125)

يدخل في ذلك في جميع النفقات المشروعة كالزكاة المفروضة، (ابن عباس) ونفقته على أهله لن ذلك أفضل النفقة. (ابن مسعود) روى مسلم عن النبي rقال: ”دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك“.

وتدخل فيها صدقة التطوع، والحقوق الواجبة العارضة في الأموال عدا الزكاة. ويدخل في النفقة نفقة العلم: أي مما علمناهم هم يُعَلِّمون (.......). القرطبي (1/125-126)

المسألة الثانية: ما الحكمة من ورودها بصيغة المضارع (ينفقون)؟

أ- للدلالة على دوام الإنفاق، على تجدد الإنفاق. أنظر النظم (1/34)

ب- وتعدد أنواع الإنفاق على الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل وفي وجوه الخير.

ج- كلما استجد باب للإنفاق أنفقوا فيه.

د- وكلما تجدد مال لهم أنفقوا منه.

المسألة الثالثة: ما هو وجه المناسبة في ذكر الإيمان بالغيب والصلاة والنفقة دون غيرهم:

أولاً:

1- الإيمان بالغيب حظ القلب من العبادة فالأحرى أن يدخل فيه الإيمان بالمشاهد.

2- إقامة الصلاة حظ البدن من العبادة:

أ- حق الله وعبادته: فالصلاة مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده والتوكل عليه.

ب- وذكرت تنبيها على غيرها من العبادات البدنية. الزمخشري (1/21)

ج- وهي صلة العبد بخالقه تنبيهاً بباقي الصلات مع الله تعالى. النظم (1/34)

3- النفقة حظ المال من العبادة:

أ- فيها الإحسان إلى المخلوقين بالنفع تنبيهاً لصلته مع الخلق (الصلة). وأولاهم أهل القرابة والأهلون ثم الأجانب.

ب- وهي تنبيه على غيرها من العبادات المالية والإحسان إلى الناس. الزمخشري (1/21)

4- لذا ورد في الحديث: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً).

ثانياً:

أ- الإيمان بالغيب: شجاعة قلبية، ففيها إقبال على العمل القلبي والاطمئنان إلى الغيب.

ب- وإقامة الصلاة:

1- فيها إقبال وفعل على الطاعات والعلاقة مع الإله فيها إقبال على الله تعالى بفعل الطاعات.

2- وفيها ترك المعاصي: قال تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)

ج- والإنفاق فيه وترك الجبن القلبي كالبخل كما قال النبي (أي داء أدوى من البخل) وفيها بيان حقيقة أثر الصلاة.

مسألة:

لماذا ورد بهذا الترتيب: (يؤمنون) ثم (يقيمون الصلاة) ثم (ينفقون)؟

أما الترتيب بين الإيمان، والصلاة، الإنفاق

أ- إذا أردت المحافظة على إيمانك فحافظ على الصلاة، وإلا ضعف الإيمان.

ب- والترتيب بين الصلاة والنفقة لأن الأعمال نادراً ما يؤديها المسلم كاملة، فغالباً ما تعتريها شائبة النقص، فتكمل بالصدقة، والإنفاق، كما قال تعالى (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)

ج- والصدقة دليل على صحة وصدق تأثير الصلاة على العبد. الصلاة نور والصدقة برهان.

د- ثم الصلاة سعة الرزق كما قال تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك)

لِمَ لَمْ يقل سبحانه (بما نزل إليك)

أ- يستعمل لفظ (أنزل): على ما نزل ولو مرة واحدة.

ب- بينما (نزّل): يستعمل على ما تكرر نزوله.

ج- فلو قيل (بما نُزِّل إليك):

لدل ذلك على أنه لا يطلب منهم الإيمان إلا إذا تكرر نزوله. فإذا نزلت قضية واحدة فلا يطلب منهم الإيمان بها إلا إذا تكرر نزولها فلا يطلب منهم حينئذ الإيمان بالقرآن لما نزل قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) لأنه لم ينزل منه إلا قطعة واحدة. فلو كفر به ورقة بن نوفل لما كان ملاماً. وهذا باطل.

بل المطلوب أن يؤمنوا بأي شيء نزل من القرآن، ولو لم ينزل منه إلا شيء واحد.

وهذا لا يتحقق إلا بقوله تعالى (بما أُنزِل إليك) لذا كل شيء جديد ينزل فعليهم أن يؤمنوا به كذلك على حدة، وإيماناً جديداً.

المسألة الأولى: قال سبحانه (بما أنزل إليك) أي ما سبق نزوله عليك ماذا عن الذي لم ينزل؟

لِمَ لَمْ يقل سبحانه: (بما أنزل وسينزل عليك)

أولاً: لأنهم إذا آمنوا بك رسولاً من عند الله تعالى، وآمنوا بالقرآن الذي نزل لأنهم تابعوك وتركوا ما هم عليه مما يقتضي إيمانهم بالذي سينزل.

ثانياً: إذا خالط الإيمان بشاشة القلوب لم يخرج منه كما قال هرقل مما يقتضي الإيمان بكل ما نزل وما سينزل.

ثالثاً: كل ما سينزل يكون بعد نزوله في حكم الماضي فيدخل في الآية المذكورة (يؤمنون بما أنزل إليك)، فهم يؤمنون به.

رابعاً: لأنه سبحانه قال فيها (يؤمنون) أي فعل مضارع. متجدد دائماً يؤمنون بما أنزل إليك فكلما نزل شيئاً جديداً آمنوا به. لم يقل سبحانه (آمنوا بما أنزل إليك) وإنما يؤمنون ويستمرون في الإيمان بكل ما أنزل إليك.

المسألة الثانية: لم يقل سبحانه (بما أنزل عليك) وإنما (بما أنزل إليك)؟

أ- يأتي حرف (على) للتشريف: للعلو كالتاج الذي ينزل على رأسه للدلالة على التشريف ولا ينزل إلى رأسه، وكمن قلد غيره قلادة يقول: ”جعل عليه القلادة والإكليل تشريفاً لعلو منزلته“ (علي)

ب- بينما (إلى) تستعمل للعمل بما أنزل والإيمان به. تقول: أتت رسالة الملك إلى الوالي أو الأمير ليعمل بها.

ج- لذا قال سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)، فقال سبحانه (إليك) من أهل العمل به، فقال (لتحكم بين الناس).

ولما ذكر النبي r في مقام التشريف قال سبحانه (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً) فتكرر لفظ عليك فيها ثلاثاً لبيان شرفه وعلو قدره r.

د- (إليك): إذا للعمل به والإيمان.

المسألة الثالثة:

كيف نؤمن بجميعها مع تنافي أحكامها إذ تتضمن المنسوخ الذي بطل حكمه؟

ذلك بما يلي:

1- الإيمان بان جميعها نزل من عند الله تعالى. القرطبي

2- الإيمان بما لم ينسخ منها للعمل بها. القرطبي

3- والإيمان بالمنسوخ بأنه قد نسخ وبطل حكمه.

المسألة الرابعة: لم يقل سبحانه (وبما أَنزل من قبلك) وإنما ورد (وما أنزل) لم يكرر الجار فحذف الباء

ج:

لأن الإيمان بما قبله (التوراة والإنجيل) ليس منفصلاً عن الإيمان بالقرآن. بل الإيمان بالقرآن يلزم منه ويتبعه الإيمان بالتوراة والإنجيل. فالإيمان بهم ليس منفصلاً عن بعضه، فلا يحتاج إلى فصله بفاصل، بل يتبع بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً، فالإيمان بالتوراة والإنجيل تبع للإيمان بالقرآن.

المسألة الخامسة: قال سبحانه (وما أنزل من قبلك) ولم يقل (وأنزل من قبلك)، لماذا كررت (ما)؟

ج: أولاً:

أ- لأنه توجد أمور مشتركة بينهما كالتوحيد والغيبيات والاعتقاد في الجنة والنار والملائكة وغيرها.

ب- ولكنها تختلف في الأحكام إذ تميزت التوراة بأحكام لليهود، وتميزت الإنجيل كذلك بأحكام أخرى وتميز القرآن بأحكام كثيرة 1- رفع الحرج 2- الإصر 3- إتمام الدين 4- إكماله (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)

ج- فالتوراة والإنجيل ليستا كالقرآن فلما اختلفا في الأحكام الشرعية اقتضى ذلك تغايرهما، فاقتضى إعادة (وما أنزل من قبلك) لبيان أن كلاً منها شيء مستقل بذاته.

ثانياً: (ما): تدل على الشمول: يتضمن الإيمان بكل ما أنزل من قبلك بأنه نزل من عند الله تعالى.

المسألة السادسة: قال سبحانه (بما أنزل إليك) (وما أنزل من قبلك) لم يقل سبحانه (الذي أنزل إليك والذي أنزل من قبلك)؟

ج: لفظ (الذي) يستعمل في الشيء المحدد العظيم، وغالباً ما يستخدم في (الأصل) المتكلم عنه لا في فروعه.

بينما (ما) تستعمل في شمول كل الأصول والفروع لما تكلم الله تعالى عن رسالة التوحيد المحمدية الناسخة للرسالات السابقة والمبطلة لدعوى الشريك (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه) قال سبحانه (ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير) بينما لما تكلم سبحانه عن تغيير القبلة والتوجه إلى الكعبة وهي من (الفروع) قال تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين)

أي الرسالة الشاملة للفروع في القبلة وغيرها من الأحكام.

مسألة: لماذا قدم (بالآخرة)/ الحكمة لِم لم يقل (هم يؤمنون بالآخرة)

ج:

1- تعريض بأهل الكتاب الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالآخرة ولكن أعمالهم تدل على نسيانهم لها، وعدم العمل بها بكفرهم بالنبي r. فعملهم هو عمل كفار قريش الذين لا يؤمنون بالآخرة وقولهم لم يكن صادراً عن إيقان لذا أتى في الآيات بعدها صفة المنافقين (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) وأهل الكتاب على رأس المنافقين.

2- أنه يفيد تخصيص إيقانهم بالآخرة:

فلا يوقنون بما يقابلها وهي الدنيا لأنها ليست دار قرار، بل دار الفناء، لا يدوم فيها نعيم، فهي متاع زائل. وليست دار يسكن إليها ويُطَمئن إليها (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار)

3- وإنما دار القرار والدوام التي يُطمأن إليها هي الآخرة، فاعمل لها، واجعل الدنيا طريقاً إليها لا هدفاً يسكن إليه.

المسألة الرابعة: قال تعالى (وبالآخرة)، ولم يقل سبحانه (وبالآخر) هم يوقنون. فكلاهما مذكور في القرآن.

فالآخرة هي الدار الآخرة والحياة الآخرة وهي مذكورة في القرآن وكذا (الآخر) هو اليوم الآخر وهو مذكور في القرآن (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) فلم خص (الآخرة)؟

ج: يستخدم التأنيث في اللغة العربية لبيان خفة الشيء ولطافته بينما يأتي التذكير فيها لبيان شدته.

لذا تستخدم التأنيث للأنثى للطافتها، بينما التذكير يستخدم للذكر لشدته.

من أجل الترغيب في الحياة الآخرة وأنها متعة تامة ونعيم دائم ولذة باقية وليست ثقيلة على القلوب بل فيها كمال النعيم واللذة للترغيب فيها أتى لفظ (الآخرة)، لا سيما عند استفتاحك للشيء فإنك تستفتحه بالمرغبات وبما هو خفيف على القلب.

وإلا لو قال سبحانه (وباليوم الآخر هم يوقنون) عند استفتاح القرآن لكان فيه شيء من الثقل والتخويف، وليس هذا المراد وإنما هي مرحلة تالية بعد الترغيب. لذا جاء الترهيب بعدها في المنافقين بلفظ (الآخر) (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر)

(هم): ما الحكمة من زيادة (هم) في قوله تعالى (بالآخرة هم يوقنون)؟

الأولى:

1- تعريض بأهل الكتاب، فإيمانهم ليس صادراً عن إيقان. الزمخشري (1/ )

2- لا يوقن حق اليقين بالآخرة إلا هم أي المؤمنون الذين أيقنوا بما سبق ذكره وإلا فأهل الكتاب غير موقنين بها، وإلا لتابعوا النبي r وآمنوا به.

3- لذا هذا الأسلوب يفيد التخصيص:

أ- إذ الإيقان واليقين بالآخرة منحصر في هؤلاء المؤمنين المذكورين بالأوصاف ولا يدخل فيه غيرهم. فغيرهم لا يوقن بالآخرة وإن ادعى الإيمان بها كأهل الكتاب الذين كفروا بالرسائل الإلهية ورسالة النبي r.

4- على قدر ترقيك وصعودك في مراتب الإيمان المذكور ترتقي في اليقين بالآخرة، وترتقي في مراتب الاختصاص المذكور.

5- حقيقة إيمانك بالآخرة على قدر إيمانك بما سبق ذكره، فكلما ازددت إيماناً بما سبق ذكره ازددت يقيناً بالآخرة.

(أولئك): لماذا وردت بالإشارة إلى البعيد (أولئك)، لِمَ لَمْ ترد (هؤلاء)؟

أ- المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب لعلو قدرهم فهم متميزون بالرفعة، وعلو القدر والفضل. المجمل/ الزمخشري

المسألة الأولى: (على)

لم لم يقل (في هدى)/ (مهتدون)

الجواب:

1- (على) تفيد الاستعلاء، لعلو قدرهم لأنهم عَلَوْ على الهدى: كمن اعتلى الشيء وركبه سواء على الحق أم على الباطل). ولكن هؤلاء علوا على الهدى (كاستعلاء الراكب على مركوبه). الخفاجي (1/381)

2- ثم هم عرفوا بالهدى، فمن رآهم رأى الهداية. فأصبحوا علماً للهدى.

3- لذا من أراد الهداية بحث عن هؤلاء فإن وَجَدهم وجد عندهم طريق الهداية.

4- وتدل على شدة التمسك بالهدى، فمن علا على الشيء تمسك به. الخفاجي (1/381)

وتدل على ثباتهم عليه ودوامهم. الخفاجي

المسألة الثانية: لم يقل سبحانه (على الهدى) وإنما على (هدى) نكر (هدى)؟

ج:

أ- للبيان بأنها هداية عظيمة لا يبلغ كنهها. ب- ولا يعرف قدرها لعظم قدرها. الزمخشري (1/24)

(من ربهم): لِم لم يقل سبحانه (أولئك على هدى وألئك هم المفلحون) لم زاد بقوله (من ربهم)؟

الجواب:

من الابتدائية فهي منحة إلهية وهبة ربانية، لا من قبلهم هم، حسبك بها هداية.

ورداً على القدرية في قولهم: (يخلقون إيمانهم وهداهم). وإلا لقال سبحانه (من أنفسهم)

عظم هذه الهداية لأنه نسبها إلى نفسه الجليلة (من ربهم) ففيه (تأكيد لتعظيمه بإسناد إليه تعالى كما يستفاد من نحو: (بيت الله) الخفاجي (1/378)

- (أكد تعظيمه بأنه الله سبحانه وتعالى مانحه والموفق له). البيضاوي (1/387)

المسألة الثانية لماذا وردت (هم) لِمَ لَمْ يقل سبحانه (وأولئك المفلحون)

1- فيه (تأكيد) لأولئك المهتدين. الزمخشري (1/25)

2- أي هم لا غيرهم ولا نوابهم فهذا أسلوب يفيد الاختصاص بهم، فلا مفلح إلا هم. انظر الخفاجي (1/387) ففيه إشارة إلى أن الفلاح ثابت لهم لا لغيرهم.

الفلاح مطابق لهم. ولا فلاح إلا فلاحهم ولا فلاح إلا بأوصافهم. انظر الخفاج (1/389)

4- هذه حقيقة الفلاح

أ- وهؤلاء هم من تمثلت فيهم حقيقة الفلاح.

ب- (لام الجنس): الإفادة الماهية وحقيقة الشيء.

مثال: هل سمعت بالأسد؟ زيد هو هو بعينه. أي تمثلت فيه شجاعة الأسد. الزمخشري

(إن حصلت صفة المتقين وتحققوا ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقة فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة).

السعة (يريد بذلك تعريف الجنس وتعيين الحقيقة المسمى بالعهد الذهني) الخفاجي (1/394)

 

 

هذه هي حقيقة الفلاح

أتدرون من المفلس: من يأتي يوم القيام. حقيقة الإفلاس

 

إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.. حقيقة الشدة

الثالثة: لماذا أتت الواو (وأولئك) لِمَ لَمْ تحذف الواو وتكون هكذا (أولئك على هدى، أولئك هم المفلحون) كما قال (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) بلا (واو) العطف.

الجواب:

أ- أما ورودها بلا عاطف (أولئك كالأنعام.. أولئك هم الغافلون) لأن الغفلة من صفات الأنعام، فهي مقررة ليست عاطفة

ب- بينما (الهداية) تختلف عن (الفلاح) فالهداية سبب للفلاح. فالهداية في الدنيا والفلاح في العقبى. الخفاجي (1/388)

ما الحكمة من تكرار (أولئك) (أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون)

لِم لم تأت الآية هكذا (أولئك على هدى من ربهم وفلاح)

1- للبيان بأنهم على هدى عاجلاً وموعودون بالفلاح أجلاً

2- كما ثبت لهم الآخرة والاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فأتت أولئك الأولى للعاجل، وأولئك الثانية للآجل. انظر الزمخشري (1/24)

3- للدلالة على عظم قدرهم، وعلوهم فوردت أولئك الأولى للدلالة على أنهم عظيمو القدر.

ثم وردت أولئك الثانية: تأكيداً لعظم قدرهم بتكراره.

4- للدلالة على بلوغهم غاية في العلو على المخلوقين ومزيد من العلو. انظر النظم (1/36)

فالأولى: (أولئك) العالون

والثانية (وأولئك): علو على العالين.

5- وإجابة على سؤال: ما هو جزاء أولئك الذي هم أهل الهدى

فجاء الجواب بالفلاح (المفلحون)، مع علو وعظم قدر هذا الفلاح (أولئك).

6- والإيضاح بأن كل ثواب مستقل عن الآخر. ولم ينقص أحدهما الآخر.

1- أثيبوا بالهداية فلم ينقص هذا الثواب من الثواب الآخر وهو الفلاح.

2- بل ازدادوا ثواباً بالهداية بأن ارتفعوا ونالوا الفلاح

الرابعة: لماذا أتت (المفلحون) ولم تأت (أولئك سيفلحون)

الاسم يدل على الثبات. أي هؤلاء على فلاح ثابت راسخ منذ أول خطوة خطوها في طريق الهداية. فكل من خطا خطوة في طريق الهداية فقد أفلح يقيناً في خطوته تلك.

الخامسة: لماذا وردت (المفلحون) معرفة، ولم ترد (مفلحون) منكرة؟

الجواب:

أ- (أل): الاستغراق أي استغرقت كل أنواع الفلاح وصوره فهم مفلحون بجميع الصور وجميع الأحوال، الكاملون في الفلاح. انظر الزمخشري/ النظم (1/36)

ب- وهو إجابة على تساؤل في الذهن: من هو المفلح في الآخرة؟

فجاء الجواب: هؤلاء الذين ذكرت أوصافهم لك هم المفلحون في الآخرة لا غيرهم.

كما تقول من هو الأسد في هذه المعركة الذي صوته كصوت ألف رجل؟

فيقال: القعقاع بن عمرو هو أسد المعركة أو القعقاع بن عمرو هو الأسد لا غيره.

(إن الذين كفروا)

المسألة الأولى: لماذا ثنَّى بذكر الكافرين فأخر المنافقين؟

1- لما ذكر المؤمنين وأحوالهم (ذكر أضدادهم وهم العتاة المرَدَة من الكفار.

2- ولأن الكفار أصل المنافقين. فالمنافقون كفار ومن الكفر تفرع النفاق فيبدأ بالأصل ثم الفرع.

المسألة الرابعة: من المقصود (بالذين كفروا)

الأول: (الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره) القرطبي

(إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم). ابن كثير

(ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك)

4- (من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات).

5- (ذلك أن النبي r كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه) ابن كثير

وكاد يهلك نفسه (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)

- (فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول (اللوح المحفوظ) في علمه. ابن جرير عن ابن عباس (1/84)

الثاني: (نزلت في رؤساء اليهود حيي بن أخطب- كعب بن الأشرف- نظراؤهما). القرطبي انظر ابن جرير (1/84)

(انهم كفروا) بما عندهم. وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق وبما عندهم من علمك) ابن كثير وبما يتعلق بك في كتابهم.

- (فكيف يسمعون منك إنذاراً أو تحذيراً) ابن جرير عن ابن عباس (1/86)، ابن كثير

الثالث: (نزلت في يوم بدر من قادة الأحزاب) الربيع، أنس/ القرطبي

مسألة: قال الله تعالى في هذه الآية (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) بينما رأينا إيمان كثير ممن كان على الكفر كعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهم وغيرهم كثير؟

 

الجواب:

المقصود بالكافر هو ذاك الذي غطى قلبه وحجبه عن سماع الحق فإنه لا يهتدي سواء أنذرته أم لم تنذره. أما إذا أزال الحجاب عن قلبه وأخذ يبحث عن الحق بصدق حينئذ لا يسمى كافراً وهذا الذي وقع من الصحابة رضي الله عنهم لما كانوا على الكفر كانوا قد حجبوا قلوبهم عن سماع الحق فلم يهديهم الله تعالى، فلما أزالوا الحجاب عن قلوبهم وبحثوا عن الحق هداهم الله تعالى إلى الإيمان وأكرمهم بشرف صحبة النبي r. لذا لما سئل خالد بن الوليد t: ما الذي أخرك عن الإسلام؟ قال كنا قد جعلنا أمرنا يؤول إلى أناس تزن عقولهم الجبال وهم الآباء. فلما ماتوا آل الأمر إلينا فنظرنا فيه فإذا هو الحق من عند الله تعالى.

تتناول كل من صمم على كفره تصميماً لا يرعوى بعده.

ودل على تناوله للمصرين الحديث عنهم باستواء الإنذار وتركه عليهم). الكشاف (1/25)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (16/585):

- (لأن على قلبه وسمعه وبصره موانع تصد عن الفهم والقبول وهكذا حال من غلب هواه).

- (ولا يؤمن ما دام كذلك)

- (فالمراد أن الكافر ما دام كافراً لا يقبل الحق سواءً أنذرته أم لم ينذر)

وقال (16/586)

(فبين حال الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحجب التي على قلبه وسمعه وبصره)

(وليس قال: إن الله لا يهدي أحداً من هؤلاء)

- (كما يقال في الكافر الحربي: لا يجوز أن تعقد له الذمة، ولا يكون قط من أهل دار الإسلام ما دام حربياً).

- (فالكفار ما داموا كفاراً بهذه المثابة لهم موانع تمنعهم من الإيمان). المجموع (16/589) (ولكن هذا قد يزول)

وقال (16/587):

(وذلك لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون إذا زال الغطاء الذي على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم)

- (فما داموا هذه حالهم فهم كذلك).

- (ولكن تغير الحال ممكن. كما قال تعالى (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)، (وكما هو الواقع)

وقال (16/589)

(كما يقال في البليد والمشغول الذهن بأمور الدنيا والشهوات: سواء عليك أعلمته أم لم تعلمه لا يتعلم ولا يقبل الهدى)

ويقال في الذكي الفارغ:

- إنما يتعلم مثل هذا

ثم المشغول قد يتفرغ، وقد يصلح ذهنه بعد فساده، ويفسد بعد صلاحه لفساد قلبه وصلاحه) أ.هـ

وقال (16/591)

- كقوله تعالى (فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين)

(16/589):

وقد قال الله تعالى (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون) فدل على أن بعضهم يؤمنون. أ.هـ

(16/587)

(ومثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه وإنذاره وبيانه يحصل الهدى ولو كان أكمل الناس... لفسادٍ في المدعو)

(فإذا كان المستمع قابلاً حصل الإنذار التام والتعليم التام والهدى التام. وإن لم يكن قابلاً قيل: علمته فلم يتعلم. وهديته فلم يهتد. وخاطبته فلم يُصغ)

(16/594)

وما ذكر في الموانع هي موجودة في كل من لم يقبل الإنذار سواءً كان كافراً أو منافقاً أو فاسقاً أو غير ذلك، لسببٍ يوجب ذلك. فيمتنع قول الإنذار بسبب الموانع. ولكن هذه الموانع قد تزول، فإنها ليست لازمة لكل كافر)

المسألة الخامسة: لِمَ لَمْ يعطف الصنف الثاني (الكفار) على الصنف الأول: من المؤمنين بل فقطعها؟

لِمَ لَمْ يذكر أداة العطف كما في الآيات الأخرى (إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم)؟

فقال الله سبحانه هنا (إن الذين كفروا) فلم يقل (وإن الذين كفروا).

الجواب:

أولاً: لأن المقصود من ذكر الصنف الأول مباين ومختلف عن المقصد من ذكر الصنف الثاني.

(وبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب، وهما على حدٍ لا مجال فيه للعاطف) انظر الكشاف (1/25)

المقصد في الصنف الأول: هو بيان أن هذا القرآن هداية للمؤمنين فذكر صفاتهم.

أما المقصد من ذكر القسم الثاني فهو عدم انتفاعهم من الإنذار.

فلما تباين المقصد لم يذكر العاطف.

ثانياً: ولأن (الآيات الأولى مسوقة لذكر الكتاب وأنه هدى للمتقين). الكشاف

(واتصافه بغاية الكمال في الهداية تقريراً لكونه يقيناً لا مجال للشك فيه وتحقيقاً لكماله في جنس المتحدي بإعجازه) الخفاجي (1/400-401)

(وسيقت الثانية لأن الكفار من صفتهم كيت و كيت). الكشاف

(وبيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي فيهم الإنذار. الخفاجي (1/401)

فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب. الكشاف (1/25)

ثالثاً: (لأن الانتفاع بالقرآن صفة كمال له) الخفاجي (1/401) كما ورد بيانه في صنف المؤمنين، (فالانتفاع به تفخيم شأنه وإعلاء مكانه). (بخلاف عدم الانتفاع به) الخفاجي (1/401)

ج- فلما ذكر كمال القرآن في الآيات الأولى، وعظم شأنه وفخامته بالانتفاع به، والفئة التي انتفعت به لم يحس أن يعطف عليه فئة لم تنتفع به ولو لم تكن معاندة له، (فكيف يعطف عليها ما يباينها أتم مباينة). الخفاجي (1/402)

رابعاً: في حذف العاطف: (تشنيع على الكفار) الخفاجي (1/402)

ذلك (لأن المتقين اهتدوا بنور الكتاب، وأن الكافرين هاموا في مهامة العقاب) الخفاجي فلم يهتدوا بهدى هذا الكتاب فقاموا عنه. إلا أنه لم يلتفت لهذا التعامي وعدم الاهتداء به فنزه قدر القرآن عن النظر إلى تعاميهم عنه)، وقصد أن يشنع عليهم إذ عدم الالتفات إليهم هو تشنيع عليهم. وجعل علامة التشنيع عليهم هو مباينة الأسلوب، كناية عن عدم الالتفات لهم، ولبعد المقام عنه. انظر الخفاجي (1/402) كما قال تعالى: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين) فالتفت عنهم ولم يجبهم فتوجه إلى المؤمنين فقال سبحانه: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم)

المسألة السادسة:

وردت بصيغة الماضي (الذين كفروا) ولم ترد بصيغة المضارع (إن الذين يكفرون) أو بصيغة الاسم (إن الكافرين)؟

أ- (تنفيراً من مجرد إيقاع الكفر) البقاعي (1/37)

فقد وقع كفرهم في الماضي فاستمر بهم الكفر، فكانوا عريقين في الكفر: أما الجديد في الكفر ربما يتغير بسرعة لأنه غير عريف ولا متمرس فيه. فلا يصلح فيه (إن الذين يكفرون). أما لفظ الكافرين فلا يدل على العراقة في الكفر وإنما يدل على الثبات عليه.

 

الثانية: لم حُذِف الواو هنا في البقرة (سواء عليهم) وأثبتت في يس الواو (وسواء عليهم ءأنذرتهم)؟

هنا جملة ابتدائية فهي خبر إن (إن الذين كفروا سواءٌ عليهم).

بينما في يس جملة سواء معطوفة على جمل أخرى (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (سواءٌ عليهم ءانذرتهم). انظر فتح الرحمن (14) كشف المعاني (94)

الثالثة: أعلم الله نبيه محمداً rأنهم لا يؤمنون. فلماذا أمره بإنذارهم؟

أ- النبي rلا يعلم بالتعيين من هو الذي أغلق قلبه وختم عليه ولا يريد الإيمان وإنما أخبره الله تعالى بالعموم.

فإذا لم يستجب ذاك بعد الإنذار (فلا تذهب نفسك عليه حسرات) ولا تبخع نفسك (لعلك باخع نفسك على آثارهم).

ب- ثم لوجوب البلاغ (لئلا يكون للناس على الله حجة). فتح الرحمن (15)

ج- وقد ينتفع بها آخرون من بعدهم ممن يصل إليهم الخبر. فتح الرحمن (15)

الرابعة: لم يقل سبحانه (سواءٌ عليك) إنما (سواءٌ عليهم)؟

لأن الإنذار وعدمه ليس سواء في حق النبي r، ولفوات فضيلة الإنذار الواجب عليه لو تركه. ولإقامة حجة الله تعالى. أما الكفار فاستوى عندهم الإنذار وعدمه.

قال سبحانه (ءأنذرتهم) بالفعل، ولم يقل (سواءٌ عليهم إنذارك لهم وعدمه) بالاسم.

(ءأنذرتهم) جملة فعلية تفيد التجدد، بينما (إنذارك) جملة إسمية تفيد الثبات. ولأنهم بالغوا في الإصرار والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقى فيهم البتة القبول بوجه، ولو دأبت واستمر عرضك لهم فلن يؤمنوا.

ولأنه يفيد مقارنة الزمان، ومطلق الحدوث فإنذارهم وعدمه مستوٍ عندهم في جميع الأزمان والأوقات، وفي الماضي وما بعده. أنظر الخفاجي (1/417) فإنذارك لا يجعلهم يؤمنون.

الرابعة: لماذا ورد بالماضي (ءأنذرتهم) ولم يقل سبحانه: (أتنذرهم أم لم تنذرهم) بالمضارع؟

أ- لأن (أتنذرهم) يفيد المستقبل، فما كأنه r أنذرهم بينما المقصود أنه r أنذرهم وما زال ينذرهم ومع ذلك أخبره تعالى أنهم لا يؤمنون.

ب- مقارنة الزمان: فالزمان أوله في الماضي، فذكره بالماضي (ءأنذرتهم).

ج- واللفظ المذكور في الآية (ءأنذرتهم) يفيد أنه r أدى الأمانة وبلغ الرسالة. الخفاجي (1/418) وإنما لم يؤمنوا لأنهم أغلقوا على قلوبهم، لا لتقصير منه. الخفاجي

(لا يؤمنون)

الأولى: لم يقل سبحانه (لن يؤمنوا) وإنما قال تعالى (لا يؤمنون)

الجواب: لأن (لا) تفيد الاستمرار والديمومة وعدم الانقطاع، بينما (لن) لا تفيد الديمومة. ألا ترى إلى صفات النقص المنفية عن الله تعالى تنفى بـ (لا) قال الله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم)، (ولا يؤوده حفظهما)، (لا إله إلا الله)، (لا تدركه الأبصار) فلا تحيط به أبداً وإن رأته: (وهو يطعم ولا يطعم)، (لا يسأل عما يفعل).

أما لن فلا تفيد الديمومة. لذا لما سأل رؤية الله تعالى أجابه المولى جل وعلا بقوله (لن تراني) فإنه نفي لرؤيته ولكن إلى حدٍ، وسينتهي هذا النفي في الآخرة، فيرى المؤمنون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وفي الفردوس الأعلى، أكرمنا الله بالنظر إلى وجهه الكريم.

 

 

 

 


 

(ختم الله)

 

جزء جديد

 

متى حصل الختم؟

 

أ- لما كفروا وأعرضوا وعاندوا (عوقبوا بالختم والطبع والصد عن الإيمان) شفاء العليل (2/601)

- بعد ذلك ختم الله تعالى على قلوبهم وسمعهم.

ب- قال قتادة: (استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على ....). ابن كثير

- قال ابن القيم شفاء العليل (2/618-625): (لم يفعل الله تعالى الختم والفساد والطبع بعبده من أول وهلة) وإنما فعله به بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى.

ج- وبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:

(تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً كعرض الحصير، فأي قلب أشربها نكتت في قلبه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكته بيضاء، حتى تصبح القلوب قلب أسود مرباد، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً). القرطبي/ ابن كثير

د- قال مجاهد: (القلب في مثل هذه: الكف، فإذا أذنب العبد ذنباً ضم نه وقال باصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضم وقال بإصبع آخرفإذا أذنب ضم وقال بإصبع آخر وهكذا حتى ضم أصابعه كلها). ابن جرير (1/87)

(فتحف الذنوب بالقلب من كل نواحيه حتى تلتقي عليه) مجاهد ابن جرير (1/87) (فتغلق الذنوب القلوب) ابن كثير

4- هذا هو الران في قوله تعالى (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)

5- (ثم يطبع عليه بطابع) مجاهد ابن جرير (1/87)

6- ويختم عليها.

7- (فلا يصل الإيمان إليها إلا بعد فض هذا الخاتم وحَلِّه رباطه) ابن كثير

هـ- فسبب (إعراضهم عن الحق، واستكبارهم عن قبوله واعتقاده، وأسماعهم ..... وتنبوا عن الإصغاء إليه، وتعافي استماعه، وأبصارهم لا تجتلي آيات الله المعروضة، ولا الأدلة المنصوبة، كأنما غطى عليها وحجبته وحيل بينها وبين الإدراك) الكشاف (1/26)

و- المجموع (10/10) فمن عمل بما علم أورثه الله تعالى علم ما لم يعلم. يصدق ذلك قول الله تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) وقوله سبحانه (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذا لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً، ولهديناهم صراطاً مستقيماً). وقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) وقوله (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وقوله (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) وقوله (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) وقوله (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) يثبت على الهدى بهدى بعده كما قال تعالى (اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم) وقوله سبحانه (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) المجموع (13/245) شفاء العليل (2/600)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كذا من أعرض عن اتباع الحق الذي يعلمه تبعاً لهواه فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمى قلبه عن الحق الواضح كما قال تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقال سبحانه (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً) وقال (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) المجموع (10/10) وانظر (13/245)

وقال (هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم لما لم يؤمنوا به أول مرة) المجموع (14/ 338)

قال ابن القيم: (فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه) فقال الله تعالى (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً) (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين) (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) (والله أركسهم بما كسبوا). انظر شفاء العليل (22/597)

مسألة: ما الحكمة من عدم عطف الختم إذ قال سبحانه (ختم الله) ولم يقل سبحانه (وختم الله).

الجواب:

أنهم لا يؤمنون لأنه استوى عندهم الإنذار وعدمه واستوى ذلك لأنهم كفروا أي أغلقوا قلوبهم وحجبوها عن السمع والانتفاع والكفر هو التغطية فلما كفروا الحق/ وحجبوه/ واحتجبوا عن معرفة الحق (ختم الله على قلوبهم) لذا ذكر الله تعالى أولاً سبب استواء الإنذار وعدمه هو الكفر أي التغطية والاحتجاب (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) ثم ذكر سبحانه أن هذا الاستواء سبب للختم فقال سبحانه (ختم الله على قلوبهم).

فلم يقل سبحانه (وختم) أو (فختم) وإنما عقوبة سريعة من الله تعالى (ختم الله على قلوبهم) كما قال سبحانه (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) وقال (اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم) دون حرف عطف للدلالة على سرعة الإثابة أو العقوبة.

الثالثة: لماذا قدم القلب

القلب هو الملك والجوارح كلها خدم له، قال الله تعالى (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)، وقال سبحانه (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (تعرض الفتن على القلوب عوداً عوداً كعرض الحصير).

الرابعة: أين موقع القلب؟ في الرأس أم في الصدر

قال ابن تيمية:

1- قد يقصد بالقلب:

أ- المضغة الصنوبرية الشكل الجانب الأيسر من البدن التي جوفها علقة سوداء قال الله تعالى (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) روى البخاري ومسلم عن النبي r (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

ب- ويراد بالقلب باطن الإنسان، قلب الشيء باطنه كقولهم قلب النخلة وقلب اللوزة وقلب الجوزة ومنه سمي القليب قليباً لأنه أخرج قلبه وهو باطنه.

2- فإن أريد بالقلب باطن الإنسان فالعقل متعلق بدماغه. وقيل: إن العقل في الدماغ. وهو قول الأطباء والإمام أحمد.

3- فمبدأ الكفر والنظر في الدماغ، ومبدأ الإرادة في القلب الصنوبري وهو المتصل بالجهاز السمبثاوي ونظيره كما ذكر الأطباء. والمريد لا يكون مريداً إلا بعد تصور المراد الذي يقع في الدماغ.

يبدأ التصور من الدماغ ثم يريد ما تصوره وهو الذي يسمي بالإرادة وهذا يتحقق في القلب الذي الصدر ثم ينتهي إلى الدماغ فإليه الانتهاء).

الخامسة: ما الفرق بين القلب والفؤاد:

قال الله تعالى: (كذلك لنثبت به فؤادك) (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) (خلق السمع والأبصار والأفئدة)

أ- قيل (القلب محل العقل والفؤاد محل القلب والصور محل الفؤاد).

3- لذا فرق الله تعالى بينهما فقال سبحانه: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين)

فلما ذكر شدة حبها لموسى u وتوقد قلبها خوفاً عليه لفقدانه لها، ووصوله إلى بيت فرعون سماه المولى جل وعلا فؤاداً (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً). بينما لما بين أنها وازنت بين مصلحة الصياح طلباً لابنها ومفسدة ذلك سماه قلباً لأنه موضع الموازنة والفهم والإدراك (إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها).

1- القلب: إذا أطلق قصد به موضع الفهم والإدراك والحب والشعور والإرادة

وقال سبحانه (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) أي تعمى عن الفهم والإدراك.

(فتكون لهم قلوب يعقلون بها) فهي موضع الفهم والإدراك والعقل.

(لهم قلوب لا يفقهون بها) فهي موضع الفقه والفهم، وقال سبحانه (أم على قلوب أقفالها) (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) غرس عن فهم ما تدعونا إليه، (وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) (وطبع على قلوبهم فهم لا يعلمون)

قال الله تعالى: (إلا من أتى الله بقلب سليم) أي سليم من الشرك والأمراض والشوائب التي تحجبه عن الفهم والإدراك وخالص الحب.

وقال تعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين): موضع الحب والفهم والإدراك لتنطلق بعدها للإنذار. وقال سبحانه (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) لتفهم منه وتدرك الأمور بصدق التوراة والإنجيل وهدى وبشرى.

2- أما إذا اشتدت حرارة القلب بالحب، أو توقد بشدة الألم أو بالاحتراق فيسمى حينئذ فؤاداً.

لأن (فأد) من التوقد وشدة حرارة، وسمي فؤاد لحرارته وتوقده. فأدت الخبزة إذا جعلت لها موضعاً في الرماد والنار لتضعها. والخشبة التي يحرك بها التنور تسمى مفأد. وفأدت اللحم إذا شويته، لحم فئيد مشوي، فأد الخبزة شواها.

قال الله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) فهو متوقد من شدة حبه لله تعالى، ثم مما حصل له من شدة إيذاء الكفار للنبي r فكان سبباً للعروج به إلى السماء لتطييب فؤاده.

(ما نثبت به فؤادك) (شدة حرارته وتوقده ما حصل له من الإيذاء مع شدة حبه لله تعالى) فهو قلب متوقد.

وكذا في قوله تعالى (كذلك لنثبت فؤادك) لذا أتت بعد قوله سبحانه (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) وقول إبراهيم الخليل u (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) من شدة الحب والشوق هوت إلى الكعبة وإلى بيت الله الحرام.

وقال سبحانه (نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة) المحترقة المشوية التي نضجت.

وأفئدتهم هواء: المحترقة.

جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة من شدة التوهج والاحتراق في حب الله.

السادسة: ما الحكمة في جمع قلوبهم؟

لم يقل قلبهم كما قل سبحانه (وعلى سمعهم) إن وجد السمع

ج: 1- لأن حقيقة أمرهم ليسوا على قلب واحد. بل قلوبهم شتى. (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى).

2- ولأن القلوب متفاوتة. واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبكثرة الأدلة وقلتها، وشدة وضوحها وقلته وبالكثرة والقلة (للأدلة) انظر عاشور (1/256)

3- ثم لكل قلب حظه من الإدراك.

السابعة: ما الحكمة من إضافة العقل إلى الله تعالى (ختم الله على قلوبهم) ولم يقل سبحانه (خُتِمَ على قلوبهم).

ج:

1- للبيان أنه متى ما أغلق العبد قلبه عن البحث عن الحق فإن الله تعالى هو الذي يختم على قلبه. فلو اجتمع كل من في الأرض ومن في السماء على هدايته لا يمكنهم ذلك. قال الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، وقال سبحانه (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله)، وقال سبحانه (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون). كما حدث لأبي طالب، وآزر والد إبراهيم u، وابن نوح u فلم يؤمنوا بالرغم من إصرار أولي العزم من الرسل على إيمانهم ولكنهم لم يؤمنوا.

(ومن يضلل الله فما له من سبيل)

2- ولتمكن الختم على القلب: أنه لا يرجى زواله إلا بسعي العبد في الأسباب التي جعلها الله تعالى مزيلة للختم. انظر عاشور (1/7....)

الثامنة: وردت (على): (على قلوبهم) ولم ترد (ختم قلوبهم) بحذف على

أ- لأن الختم مستعلٍ عليها، فلا تعي حق الوعي لأنه ختم على قلبه فمنع من الدخول إليه والخروج منه، يحول دون وصول الهداية إليها.

بينما لو قال سبحانه (ختم قلوبهم) قد يكون الختم في الجانب أو في الأسفل أو من الخلف. البقاعي (1/38)

ب- لكنه سبحانه أراد أن يبين أن الختم من الأعلى بارزاً يراه كل من تعامل مع هذا القلب ويظهر على محياه وعلى وجهه يرد ويمنع أي وارد عليه من الحق.

ج- الختم الإلهي عال، عظيم، لا خلل فيه.

الثانية: في الختم على السمع

1- عدم الإدراك فيسمعون أصواتاً.

2- (عدم فهمهم للقرآن إذا تلي) عدم فهمهم إذا دعوا إلى وحدانية الله سبحانه.

3- عدم استجابتهم.

الثالثة: لماذا كررت (على) (على قلوبهم) (وعلى سمعهم)

1- لئلا يفهم منه أن الختم توزع على القلوب والأسماع، فيكون حينئذٍ الختم ناقص على كلٍ من القلب والسمع هذا لو قيل (ختم الله على قلوبهم وسمعهم). انظر الكشاف (1/28-29)

2- أما بتكرار الجار (على) (كان أدل على شدة الختم في الموضعين) لأن زيادة اللفظ تدل على زيادة المعنى. الكشاف (1/28-29) البيضاوي (1/25) الخفاجي (1/451)

3- قد يفهم منه أن الختم على القلب أصلي، والختم على السمع ثانوي كما في قوله تعالى في بناء البيت (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) فكان دور إسماعيل u ثانوياً هو المناولة أو تكميل دور إبراهيم r.

وفي قوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) تبدل الأرض تبدلاً أصلياً أما السموات تبدل ثانوي فالختم على السمع مقصود أصلي (إذ ليس العطف كالتصريح بالعامل) عاشور (1/258)

فختمه على القلب للدلالة أنه مهما سمع أو أبصر فإنه لا يعقل ولا يدرك ولا يفهم مطبوع على قلبه، ثم زيادة عليه مختوم على السمع ختماً أصلياً. ليس تبعاً للختم على القلب. بينما في سورة الجاثة (وختم على سمعه وقلبه). جعل الختم على القلب تابعاً للختم على السمع لأنه ختم على السمع ختم إدراك وفهم واستجابة، فكان الختم على القلب نافعاً له لأن السورة موضوعها إقامة دلائل التوحيد الحسية، فذكر القلب تبعاً للحواس.

الرابعة: ما الحكمة من توحيد السمع بالرغم من كون لكل فرد أُذُنان؟ بينما سبحانه جمع القلوب والأبصار

1- (وحد السمع لأنه مصدر يقع للقليل والكثير)

2- ابن الأثير: من صناعة البلاغة اختلاف الألفاظ فمنها ما لا يحسن استماعه إلا مجموعاً كاللب وخلداً لم ترد في القرآن مفردة لأن الجمع فيها أحسن ويفيده ما ورد مفرداً ولم يرد مجموعاً كالأرض وأما المصادر فالإفراد فيها هو الأحسن. الخفاجي (1/453)

1- (لوحدة المسموع وهو الصوت) المجمل (1/22)

فالصوت المسموع واحد

2- أما القلوب فهي متفاوتة في الكفر والقسوة والفهم والإدراك، وكذا هم ليسوا على قلب واحد.

والإبصار متفاوتة في تعلقها بالمرئيات الدالة على التوحيد سواءً دلائل الآفاق، أو الدلائل في الأنفس فلكل بعصر حظه من الالتفات إلى الآيات والمعجزات أما السمع فيتعلق بسماع القرآن سمع إدراك فالجماعات إذا سمعوه لم يتفاوتوا في سماعه، فهم متساوون في الإدراك، ومتساوون في عدم تدبره وفهمه ومتساوون في عدم الاستجابة، فوحد السمع.


 

السابعة:

وقع الختم على السمع ولم يقع على الأذن؟

1- لأن عمل أعضاء الأذن مستمر كالطبلة والمطرقة والسندان فلم تتعطل هذه أعضاء الأذن، إذ لم يقع عليها الختم.

ولكن الإدراك للقرآن وأدلة التوحيد غير متحقق، فالفهم له والتدبر غير متحقق، ثم الاستجابة غير متحققة وهذا يتعلق بالسمع لا بعضو الأذن.

بالرغم من استمرار عمل أعضاء الجهاز السمعي إلا أن الأثر غير متحقق فالنتيجة غير متحققة.

3- يسمعون صوتاً فقط دون فهم أو فقه له، من الله تعالى بقوله (بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً).

العاشرة: في هذه الآية قدم القلب على السمع (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) بينما في سورة الجاثية قدم السمع على القلب (وختم على سمعه وقلبه)؟

الجواب:

أولاً ينبغي العلم أن القلب هو ملك الأعضاء كما ورد في الحديث (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب). رواه البخاري

ثانياً سورة البقرة: موضوعها مقصدها: توحيد الألوهية وهو توحيد الله تعالى كمال الحب مع كمال الذل وموضع الحب هو القلب وكذا موضع الذل، فوردت (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم).

فالمراد هنا بيان إصرارهم على الكفر، وعدم قبول الإيمان. وهو متعلق القلب فاقتضى تقديمه. انظر الخفاجي (1/450)

2- وبما أن مقصد السورة البيان بأن الغاية التي من أجلها خلق الخلق هو تحقيق كمال العبودية، فانقسم الناس فيه إلى ثلاثة أصناف قسم متبع قسمان مفرطان. فلما فرط الإنسان أوالبشر بذلك ضاهوا البهائم من حيث عدم تمييزه بالعقل. فبدأ بموضع العقل وهو القلب، ختم على قلبه فهو لا يعقل كالبهائم لما يحوي بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب، تسوية لهم بالبهائم. انظر البقاعي

ثالثاً: أما سورة الجاثية مقصدها نصب الآيات إما السمعية أو البصرية أو العقلية الدالة على التوحيد.

فورد ذكر الآيات السمعية مثل (وختم على سمعه وقلبه) إذ قال سبحانه (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة)، (وآتيناهم بينات من الأمر، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)، (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)، (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) ثم ورد قوله تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه) فقال سبحانه (على علم) إذ لا تقوم الحجة إلا بالرسل أي بالدليل (السمعي)، فاقتضى تقديم السمع على القلب فهو سمع إدراك ثم فهم بالقلب وتصور بالقلب ثم يحصل بعده الانقياد والاستجابة بقلبه. لذا أخر ذكر القلب.

رابعاً: ذكر في آية الجاثة (وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه) لما أخبر فيها بالإضلال، وكان الضال أحوج شيء إلى سماع الهادي نفاه نفي سماع الهادي. البقاعي (1/38) فقدم السمع لاحتياج الضال إليه قبل القلب.

الثانية: لماذا جمع البصر؟

ج:

1- لأن الأبصار متفاوتة في التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل التوحيد في الآفاق وفي الأنفس.

2- لكل بصر حظه من الالتفات على الآيات المعجزات والعبر والمواعظ.

3- فلما اختلفت أنواع ما تتعلق به جمعت. عاشور (1/256)

الثالثة: لماذا قدم السمع على البصر، ملخص ابن القيم في مفتاح دار السعادة.

الأول

1- لأفضلية السمع على البصر: لتقديمه عليه في هذه الآية (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) لكنه قدمه لأنه شارك القلب في الختم وأخر البصر لتعلقه بمتعلقٍ آخر وهو الغشاوة. (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) البقرة 20.

وكما قدمه تعالى في قوله: (أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قولبكم) وقوله (وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة)، وقوله سبحانه (جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) السجدة 9 الملك 3

وفي أغلب الآيات (أمن يملك السمع والأبصار)، (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) المؤمنون 87

2- ولأن السمع يدرك من الجهات الست وفي النور والظلمة ولكن البصر لا يدرك إلا من الجهة المقابلة وبواسطة من ضياء وشعاع. الخفاجي (1/401)

3- لأن مدرك السمع أعم من مدرك البصر فبالسمع يدرك الكليات والجزئيات والشاهد والغائب والموجود والمعدوم بخلاف البصر الذي يتعلق ببعض المشاهدات بينما السمع يتعلق بكل علم بجميع العلوم. السفارفي غذاء الألباب (1/59)

4- لما كان مقصد السورة بيان الغاية من الخلق وهو توحيد الألوهية أي كمال الحب لله تعالى مع كمال الذل فانقسم الناس إلى ثلاثة أقسام: المؤمنون وقسمي المفرطين 1-كفار 2- ومنافقون. وهذان القسمان الأخيران كحال الغبي والبهيمة، لما كان النبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أخبر لعمومه وخصوص البصر بأحوال الضياء (الأحوال التي فيها النور والضياء) نفى السمع ثم البصر تسفيلاً لهم عن حال البهائم. البقاعي (1/38)

5- بالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة، فإنه بها تحصل متابعة الرسل وقبول رسالاتهم فمن لا سمع له لا يعلم ما جاؤوا به. غذاء الألباب للسفارين (1/59)

6- لذا ورد الحديث: (أربعة يوم القيام يدلون بحجة .. رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة

فأما الأصم فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً

وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر

وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل

وأما الذي مات على الفترة فيقول: يا رب ما أنا في رسولك

فيأخذ مواثيقهم ليطعنه فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً). رواه أحمد والطبراني وصححه ابن حبان والصبار وابن تيمية والألباني (1434)

7- إنما تنال العلوم بالتفاهم والتخاطب ولا يحصل ذلك إلا بالسمع. غذاء الألباب (1/59) السفارين نقلاً عن ابن القيم مفتاح دار السعادة

8- فاقد البصر إنما يفقد إدراك بعض الأمور الجزئية المشاهدة. ويمكن معرفتها بالوصف ولو تقريباً. بخلاف فاقد السمع: فإن الذي فاته من العلم لا يمكن حصوله بحاسة البصر ولو قريباً. ابن القيم السفارين (1/59)

9- البصر تابع للعقل والسمع: لذا قال أهل النار (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير). ابن القيم السفارين (1/59)

10- فقد السمع أعظم ضرراً على الدين من فقد البصر:

- إذا عدم العبد السمع المواعظ والنصائح انسدت عليه أبواب العلوم النافعة، وانفتح له طرق الشهوات التي يدركها البصر، فلا يناله من العلم ما يكفه عنها. فضرره في دينه أكثر، وأعظم ممن فقد بصره.

11- البصر متمم ومؤكد للسمع

أ- فالمرتبة الأولى تتحقق بالسمع ثم ترتقي بالبصر.

ب- لذا أولاً يصل العبد إلى مرحلة اليقين بالسمع والعقل ثم ينتقل إلى عين اليقين بالبصر.

ج- يستعمل للشهادة: فالبصر حاكم على صحة المسموع لذا ليس المخبر كالمعاين. لأن بالمعاينة تتأكد العلوم.

12- بعد أن طمس على الأعظم تأثيراً في دينه طمس على المتمم له فلم يَضْفُ على شيء.

13- لأن السمع يتخلق في الجنين قبل البصر.

الثالثة: لماذا ورد التنكير في (غشاوة) لم تكن (الغشاوة).

1- على أبصارهم نوعاً من الأغطية غير ما يتعارفه الناس. الكشاف

2- وهو غطاء التعامي عن آيات الله تعالى. الكشاف

الثانية: لماذا جعل الختم على القلوب والأسماع، بينما الغشاوة على الأبصار.

1- لما كانت القلوب والأسماع محوية (داخلة) كان الختم لها أولى.

2- لما كانت الأبصار بارزة. إدراكها متعلق بظاهرها كان الغشاء لها أليق. حاشية الكشاف أحمد بن المنير (1/28)

3- لأن:

أ- الغشاوة على السمع لا تحقق المقصود فلا تمنع من السمع.

ب- بينما الرؤية إذا لم تكن واضحة فإنها تؤدي: ضد الحقيقة، وتقلب الحقائق، يرى العدو يظنه صديقاً، ويرى الغاضب الذي يهجم عليه لقتله فيراه ضاحكاً معانقاً.

ج- فالغشاوة على البصر تؤدي ضد الحقيقة فتكون الاستجابة ضد المقصود.

د- أما الختم على البصر فإنه عمى فلا يؤدي ضد المقصود، وإنما لا يرى لذا فأثر الغشاوة أشد.

هـ- وكما قيل أفسد الناس: نصف عالم ونصف طبيب ونصف نحوي والغشاوة نصف الرؤية.

4- لأن الغشاوة مشهورة من أمراض العين، فهي أنسب بالبصر. الخفاجي (1/451)

أ- الرؤية بالنهار دون الليل، ومنه الأعشى أي يبصرون الأشياء إبصار غفلة. لا تنظر غير الواضح، لا إبصار عبرة.

أو أنهم لا يرون آيات الله في ظلمات كفرهم. ولو زالت تلك الظلمات أبصروها.

ب- فهي ظلمة تعرض في العين وتسبب العشى وهو عمى قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً) الخفاجي (1/458)

ما الحكمة أن نسب فعل الختم إلى الله تعالى دون الغشاوة؟

- لأن أصل التغليف واقع على القلب والسمع.

أ- إذا كان قلبه لا يعقل خِلقة (مجنون – نائم- صغير) لم يكلف رفع القلم عن ثلاث (عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يعقل وعن الصغير حتى يبلغ).

ب- إذا كان لا يسمع فإنه غير مكلف:

يأتي يوم القيامة (الأصم والمعتوه والشيخ الهرم وصاحب الفترة والمولود) ويدعي كل منهم أنه لم تقم عليه الحجة.

ج- فالمباشرة من الله تعالى في الختم لأن القلب والسمع هما الأصل أما البصر فهو تبع لأصل محبة الله تعالى فقد يكون كفيفاً وهو مكلف لأنه يسمع ويعقل ويفهم. وقد يحب من لم يره فالحب موضعه القلب وهو الأصل. موضوع السورة محبة الله تعالى

د- ثم الله تعالى يحبه المؤمنون في الدنيا وقد يسمعون كلامه مشافهة كالرسل ولكن الرؤيا في الدنيا لا تتحقق فهي تبع.

الرابعة: لماذا جعل على القلوب والأسماع جملة فعلية (ختم)، بينما على الأبصار جملة اسمية (وعلى أبصارهم غشاوة).

أولاً: الجملة الفعلية تفيد التجدد والجملة الاسمية تفيد الثبات والدوام.

ثانياً:

أ- الختم متعلق بالكفر والتغطية.

ب- كلما جعلوا الحجاب على قلوبهم منعاً للبحث عن الحق ومعرفته وقع عليهم الختم.

ج- وإذا أرادوا إزالة الحجاب وبحثوا عن الحق، أزال الله تعالى عنهم هذا الختم فالختم متعلق بالكفر، وهو متجدد بتجدد الكفر.

2- القلب محل الفهم والفقه، والسمع محل التلقي سواء سمع إدراك ثم فهم، ثم استجابة.

يحصل له الختم المتجدد بتجدد الكفر والحجب التي يضعها العبد.

3- أما الغشاوة

أ- فهي تابعة للختم، ثابتة معه، فالتجدد للختم، أما الغشاوة فهي ثابتة لصيقة بالختم، لا تفارقه.

ب- فإذا ختم على قلوبهم فإنهم دوماً لا يرون الحق.

ج- فالجملة الاسمية: لثبات الغشاوة مع الختم لا تفارقه.

الخامسة: ما الحكمة من ورودها هنا بالجملة الإسمية (وعلى أبصارهم غشاوة)، بينما في سورة الجاثية (وجعل على بصره غشاوة) جملة فعلية؟

الجواب:

1- في سورة البقرة: أ- ذكر الله تعالى في هذه السورة بيان المقصد الأصل الذي من أجله خلق الخلق وهو محبة الله تعالى على أكمل وجه مع كمال الذل له. فانقسم الخلق فيه إلى ثلاثة أصناف مؤمن وكافر ومنافق.

ب- وبما أن الغشاوة ثابتة للختم ثابتة معه، فإذا حجب العبد قلبه عن قبول الحق وعن إظهار الحق وبيانه ختم على قلبه ولازمته الغشاوة الملازمة للختم.

2- أما سورة الجاثية فمقصدها: توالي الآيات والدلائل على التوحيد (توحيد الألوهية) فقال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة).

لما اتخذ العبد إلهه هواه ضَلَّ فجعل العبد حجاباً على قلبه.

فأعرض الله عنه فختم الله على قلبه وسمعه مع مصاحبة الغشاوة للختم ثم أتت الآيات الأخرى فضل مرة أخرى وحجب قلبه عن الحق، فتضاعف الختم، وتضاعفت الغشاوة ثم أتت الآيات الأخرى فضل ثالثة: فتضاعف الختم فتضاعفت الغشاوة. كلما تجدد الختم أضعافاً تجددت الغشاوة أضعافاً زيادة على الغشاوة الأصلية فأصبحت كثيفة، والذي يدل عليه في هذه السورة أن مقصدها تجدد الآيات فتجدد الختم كلما ازداد العبد يقيناً بالله للآيات مع ذلك احتجب عن الانقياد لها بالإضافة إلى قول الله تعالى فيها (وأضله الله على علم).

بينما في سورة الجاثية:

(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة)

مسألة: لماذا نسب إلى الله تعالى أنه جعل الغشاوة على البصر؟

ج- ثم لأن موضوع سورة الجاثية النظر في الدلائل الكونية والبدنية وكذا النفسية فأصبح البصر فيها أصل، فتكفل الله بنفسه أن يجعل الغشاوة على بصر من أعرض عنه واتخذ إلهه هواه.

لماذا خص الله تعالى هذه الأعضاء بالذكر ولم يذكر اليد والرجل؟

ج: لأنها طرق العلم:

فالقلب محل العلم، وطريقه إما السمع، وإما الرؤية. الجمل (1/22) الكرخي

السابعة:

ما الحكمة من جمع (القلوب) في هذه الآية على (على قلوبهم) جمع كثرة على وزن فعول بينما (الأبصار) جمع قلة؟

ج: أولاً:

1- لشدة تفرق القلوب وتشتتها لعدم تطابقها.

2- ثم لشدة تقلبها فجمعت جمع كثرة.

3- بينما الأبصار قد تتفق في بعض مرئياتها، وإن اختلفت فلا تختلف اختلافاً كثيراً في المرئيات.

ثانياً: هو الجمع المعروف والمستعمل عندهم.

الثانية: قال سبحانه (لهم) لم يقل (عليهم)

1- لام الاختصاص -متى ما رأيته رأيتهم معه: لأنه مختص بهم ومتى ما رأيتهم رأيته معهم فهو من خصوصياتهم ومميزاتهم.

2- لام الاستحقاق. الخفاجي (1/458)

3- لقوة تداعي حالهم (كفرهم وفسقهم) لذلك العذاب، واستحقاقهم له، وتنشئو ذواتهم إليه) البقاعي/ الحراني (1/38)

الثالثة: لماذا ورد التنكير في عذاب وعظيم

1- لبيان غرابة نوعيته وأن نوعه غير معروف (لهم من بين الآلام العظام: نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى). الكشاف (1/29)

2- (لأن عذاب الآخرة نوع من العذاب غير متعارف (نوعيته غير معروفة). الخفاجي (1/461)

3- وتهويله: فالتنكير للتهويل فهو غير معروف الهول فهو عذاب غير معروف النوعية غير معروف العظمة وغير معروف هوله وعظمته لا يعرف هولها. انظر الخفاجي بتصرف (1/461) أو عذاب غير معروف النوعية غير معروف هوله وعظمته غير معروف نوعها غير معروف هولها. انظر الخفاجي بتصرف (1/461)

الرابعة: لماذا قدم الخبر (لهم) بدلاً من القول (وعذاب عظيم لهم)

أ- لأن النكرة موصوفة: (عذاب) نكرة فوصفت بالعظمة (عظيم) إذ يستحسن تأخيرها. الخفاجي (458-459)

ب- للتخصيص: أي العذاب العظيم ليس إلا لهم.

فهو مخصوص بهم فلا يعذب عذابهم أحد، ولا يوثق وثاقهم أحد. الخفاجي (1/459)

ج- وتهويل لما يستحقونه من القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى.

(عظيم)

قال سبحانه (عظيم) ولم يقل (كبير) الأولى: لأن العظيم نقيض الحقير (أخذ في الجهات كلها). البقاعي (1/39)

ومعنى العظمة:

أ- كبير في الذات.

ب- كثيرة الصفات وألوان من العذاب وتقول معظم الشيء: أكثره.

ج- قوة: سمي العظم لقوته ولشدته: أي قوة العذاب.

د- شدة: أي شدة العذاب، النازلة العظيمة أي الشديدة/ وسمي العظم لشدته.

هـ- فخامة: تقول عظيم القوم: سيدهم وأشرفهم (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)

فوصف العذاب بالعظيم أكثر في تهويل شأنه من توصيفه بالكبير. الخفاجي (1/460) وذلك لكثرة أنواع العذاب وقوته وشدته وهو مناسب لكثرة الأمراض وشدة الكفر وقوته.

أما كثرة أنواع العذاب فنوع يصيب القلب وآخر يصيب السمع وثالث يصيب البصر

بسبب ختم القلب أصاب عذاب للقلب.

وبسبب ختم السمع أصاب سمعه عذاب خاص للسمع.

وبسبب غشاوة العين أصابه عذاب خاص للعين والبصر.

د- شدة كفره: (سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) فعوقب بشدة العذاب.

هـ- قوته: لقوة كفره (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة)

عدم تزحزحه من الكفر إلى الإيمان فختم على القلب لقوة الكفر عوقب بقوة العذاب بها.

 


 

ثالثاً: ما الحكمة من الإطناب في ذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية؟

 

جزء جديد 3

 

أ- (لأن أمرهم يشتبه على كثير من الناس فذكرهم بصفات متعددة، كل منها نفاق، تعريفاً لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها). ابن كثير (1/72)

 

ب- (ولئلا يظن الخير بأهل الفجور فهذا من المحذورات الكبار). انظر ابن كثير (1/73)

ج- ولأنهم أخبث الكفرة وأبضهم إلى الله سبحانه وتعالى، لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً) البيضاوي (1/4)

رابعاً: ما الحكمة من عدم تصريحه سبحانه باسم المنافقين بقوله: (إن المنافقين يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر) كما صرح في المتقين (هدى للمتقين الذين) وكما صرح في الكافرين (إن الذين كفروا)؟

ج:

1- إن هذا الصنف يسعى ليختفي بين الناس ويستتر لئلا يفضح فقال سبحانه (من الناس) وهنا لصنف معلوم لنا.

2- ولولا أن من الكرم الستر عليه فضحناه.

3- فيه إشارة إلى أن أفعالهم مذمومة ناقصة وإلا لصرح بتسميتهم (إن المنافقين). انظر عاشور (1/260)

4- ففيه تلويح إلى تهديد ما. الخفاجي (1/469) بتصرف

5- أن الإنسان أو المجموعة من الناس تسمى بالوصف الذي تيمزت به وجهرت به وكانت واضحة فيه بينما هم لم يكن لهم من الوضوح أي (لا صورة تميزهم سوى صورة الإنسانية) الخفاجي (1/469) ولم يشاركوا المؤمنين والكفار في الظاهر إلا بصورة توصف الإنسانية فوردت (ومن الناس).

6- ثم هذه الصفات التي اتصفوا بها (تنافي الإنسانية) (من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين. يخادعون الله والذين آمنوا)، فلم يكونوا على شيء.

7- فيه تحقير شأن النفاق ومذمته على أبلغ وجه. عاشور (1/260)

8- فيه تنبيه للسامع على عجيب ما سيذكر وتشويقاً لمعرفة ما يتم به الإخبار المتحدث عنهم سيساق في شأنهم قصة مذمومة وحالة شنيعة. عاشور (1/260)

9- لا تستبعد أن تصدر مثل هذه الشناعات من الناس. كما يقول الذي فعل هذا من الرجال وليس من الناس الذي ها هنا من أقربائي وليس من البعيدين فالأمثال التي ستذكر صدرت من الناس فلا تستبعد ذلك، كما تقول هل تصدق أن من الناس من يفعل كذا وإياك أن تقع فيه. نقله عاشور عن بعضهم ولم يرفضه (1/260)

1- الناس من النوس إذ أصل معنى الناس من النوس (ظهر فيهم معنى النوس لاضطرابهم بين الحالين. لأن النوس حركة الشيء اللطيف المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسف ما يثقله، فلا يزال مضطرباً بين جهتين. البقاعي (1/40)

ولم يظهر هذا الاضطراب في فريق المؤمنين ولا فريق الكفار لتحيزهم إلى جهة واحدة. البقاعي نقلاً عن الحراني

11- لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح. قطب (1/42)

 

 

 

 

 


 

 

جزء جديد 4

 

(من يقول آمنا)

 

أولاً: لم يقل سبحانه (من قال آمنا) وإنما (من يقول) بصيغة المضارع.

ج: لأنهم مستمرون في الادعاء لإخفاء نفاقهم.

ثانياً وردت الآية (من يقول آمنا): استمرار الادعاء بانهم قالوا في الماضي (آمنا) لِمَ لَمْ يقل سبحانه (من يقول: نحن مؤمنون).

ج:

1- إن الإتيان بالماضي أشمل حالاً

2- لأنهم أرادوا إثبات تحقق الإيمان فيما مضى بالصراحة فيما مضى بالصراحة). عاشور (1/264)

3- والأصل أن الاعتقاد القديم باق لم يتغير بلا موجب.

4- فهو مستمر على ما مضى وعلى ما سبق ودائم على أصله.

كقول الله تعالى (كان الله سميعاً بصيراً) فهو كان في الأزل سميعاً بصيراً وما زال سميعاً بصير.

الخامسة: لماذا خص بالذكر الإيمان بالله وباليوم الآخر؟

أ- (لأنهما قطراً (جانبا) الإيمان (في جميع الشرائع) ومن أحاط بهما فقد حاز الإيمان بحذافيره. النيسابوري (1/153). الزمخشري (1/30)

ب- لأن الإيمان بالله هو الجانب الأول للإيمان، والإيمان باليوم الآخر هو الجانب الأخير للإيمان. الزمخشري (1/30) (فهو أوله وآخره) الزمخشري (1/30)

زعموا أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه واكتنفوه من قطريه وأحاطوا بأوله آخره. الزمخشري (1/30)

ج- لأن من آمن بالله تعالى على ما يليق بجلال ذاته آمن بكتبه ورسله وشرائعه (آمنا بالله) ومن علم أن إليه المصير استعد لذلك بالأعمال الصالحة (وباليوم الآخر). الخفاجي (1/473)

د- فالإيمان بالله تعالى مبدأ الاعتقادات كلها، وإليها تنتهي أركان الإيمان. انظر عاشور (1/262)

والإيمان باليوم الآخر هو الوازع والباعث في الأعمال كلها وفي صلاح الحال العملي. عاشور (1/262)

هـ- الإيمان بالله واليوم الآخر: (هو الإيمان بالمبدأ والمعاد الذين هما طرفا الوجود). الخفاجي (1/473) مج (5/30)

و- ولأن رأس النفاق هم اليهود، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولكنهم لا يؤمنون بالنبي r فكانوا يصرحون بالأمر المشترك بينهم وبين المؤمنين ليقبل قولهم ويصدقون. ولكنهم في هذا القول مخادعون، لأنهم لم يؤمنوا بالنبي r، ولا بالقرآن ولا بجبريل؛ لذا لم يقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وإنما اقتصروا على الأمر المشترك وهو الإيمان (بالله واليوم الآخر) مخادعة.

ز- لغلوهم في الكفر لا يستطيعون أن يذكروا الإيمان بالنبي r استثقالاً بهذا الاعتراف وإيهاماً. عاشور (1/263)

ح- لأن ضلال الأمم والفرق في هذين الأمرين:

1- في الإيمان بالله تعالى:

- شرك به.

- ادعاء الولد يهود ونصارى

- تأويل صفاته وتحريفها ونفيها أهل التأويل من الفرق الإسلامية

واليهود

2- الإيمان بالبعث:

- أنكر البعث كفار قريش

- الفلاسفة: لا بعث وإنما فقط للتخويف ليستقيم البشر

السادسة: لماذا تكررت الباء (بالله)، (وباليوم الآخر)

1- تكرار الباء للتأكيد: ليعلموا المؤمنين ويؤكدوا لهم صحة إيمانهم واستحكامه (إيذان بأنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة والاستحكام) الزمخشري (1/30)، النيسابوري (1/153) (والأصالة) البيضاوي (1/474)

2- لأنهم كانوا متهمين أكدوا بإعادة الجار (وباليوم الآخر) الذي جحده المجاهرون. البقاعي (1/40)

- لاسيما اليهود الذين يظهرون إيمانهم بالأنبياء والكتب السماوية وأنه سيخرج نبي.

فأظهروا حرصهم على الإيمان بالنبي إن ظهر فلما ظهر زعموا أنه ليس رسول الله r. فحرصوا أشد الحرص على تأكيد إيمانهم باليوم الآخر كتأكيدهم إيمانهم بالله تعالى، وأنهم يخافون الله تعالى ويخشون عقوبته فأكدوه (بالباء).

- لأنهم لمخادعتهم وتلبيسهم أظهروا أن إيمانهم إيمان تفصيلي مؤكد قوى. الخفاجي (1/474) إيمان مفصل بالله تعالى وإيمان مفصل بالنبي r.

4- وكقول المنافقين مؤكدين (نشهد إنك لرسول الله)، أ- أكدوا بعدة ألفاظ منها لفظ الشهادة (نشهد)، وحرف التأكيد (إنك)، ولام التأكيد (لرسول الله).

ب- كذا قالوا هنا (بالله وباليوم الآخر)

ج- قال ابن كثير: (يؤكدون بالشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها، كما أكدوا قولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر) وليس الأمر كذلك). التفسير (1/73)

5- لم ترد (باليوم الآخر) إلا في حق المنافقين والكفار.

أ- جميع الآيات الواردة في حق المؤمنين وردت بحذف باء (اليوم الآخر) إذ وردت (بالله واليوم الآخر).

كقوله تعالى: (لكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً)، (وارزق أهله من الثمرات من آمن بالله واليوم الآخر)، (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر). وغيرها من الآيات في كتاب الله تعالى. إذ إيمانهم بالله تعالى نقيض إيمانهم باليوم الآخر فهو تبع لإيمانهم بالله عز وجل.

ب- بينما وردت في حق أهل الكتاب بنفي الإيمان بالله واليوم الآخر بتكرار (لا) النافية وتكرار الباء.

لما تكلم الله تعالى عن أهل الكتاب في سورة النساء قال سبحانه (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) النساء (38)

- وقال سبحانه (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب) التوبة (29) للبيان أنهم لا يؤمنون بالله تعالى وهذا من جهة، والتأكيد أنهم كذلك لا يؤمنون باليوم الآخر وإن زعموا الإيمان به.

ولم يرد في سياق الإثبات ذكر (الباء) إلا في حق المنافقين

- (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر).

1- جعلوا الإيمان باليوم الآخر منفصلاً عن الإيمان بالله تعالى لقلة علمهم ولجهلهم وعدم معرفتهم بالإيمان بالله تعالى وتفاصيله. إذ الإيمان باليوم الآخر تابع للإيمان بالله تعالى.

2- لأنهم أبعد الناس عن الإيمان باليوم الآخر: فذكر فاصل بين الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر للدلالة على التراخي ووجود الفاصل.

3- ولما سبق بيانه.

(وما هم)

أولاً: لماذا ذكر الضمير (هم) لِمَ لَمْ يقل سبحانه (وليسوا بمؤمنين)؟

أ- فيه من التوكيد.

1- والمبالغة في تكذيب قولهم ما ليس في غيره.

2- وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم. الزمخشري (1/30)

3- من عداد المؤمنين أبلغ من نفى الإيمان عنهم في ماضي الزمان. البيضاوي (1/477)

ب- لم يقتصر سبحانه على نفي وجود الإيمان في قلوبهم، بل أخرجهم كلهم بقلوبهم وأجسادهم وصفاتهم من مسمى الإيمان، فهو أبلغ وأوكد في نفي الإيمان كقولك لآخر (أخطأت) واللفظ لآخر (أنت كلك خطأ) فقال سبحانه (ما هم) فليس فيهم شيء تحقق فيه اسم الإيمان ووصفه.

ثانياً: فيه اختصاص النفي بهم، بمن توفرت فيهم تلك الصفات. فاختص نفي الإيمان عليهم وعلى أشكالهم وأمثالهم فقال سبحانه: (ما هم)

الخامسة: إذا دخل في ذلك اليهود كيف نفى عنهم الإيمان بالله وباليوم الآخر وهم يؤمنون به؟

- إيمانهم بالله تعالى يقتضي الأتقياء له ولأمره ولدينه ولشرعه، فأمرهم بالإيمان بالنبي r، فلم يذعنوا لله تعالى بقلوبهم. ثم لقولهم عزير ابن الله تعالى.

أما إيمانهم باليوم الآخر فليس إيمانا. لأنهم لم يعملوا له، فلو كان يقيناً لانقادوا لله تعالى بقلوبهم كمن خدر بوجود نار تلتهم المكان الذي هو فيه فلم يفارقه فهذا ليس مؤمناً بوجودها.

السادسة: لم قال سبحانه (وما هم بمؤمنين) لِمَ لَمْ ينف سبحانه إيمانهم بقوله (ما آمنوا) كما قال سبحانه في وضع آخر: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها)

الجواب:

لو قيل: (ما آمنوا): كان لنفي الإيمان في الماضي. الخفاجي (1/478) ... يراجع لأن نفيه في الماضي (ما آمنوا) لا يستلزم نفيه في الحال، وكذا في الاستقبال فربما يكون الآن في حالة إيمان لو قيل (ما آمنوا) وقد يؤمنون في المستقبل مع وجود نفس العيوب والموانع والصوارف (بينما المقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في شيء من الأوقات. يراجع الخفاجي (1/478)

فأتى الجواب الدال على انتفائه في الحال، لأن اسم الفاعل (مؤمن- مؤمنين) حقيقة في زمن الحال. عاشور (1/265)

السابعة ولماذا نفاه المولى جل وعلا بالجملة الاسمية (وما هم بمؤمنين) بالرغم من أنهم زعموا ذلك بالجملة الفعلية (ومن الناس من يقول آمنا بالله)

لِمَ لَمْ يقل سبحانه (لم يؤمنوا)، ولم يقل سبحانه (ما آمنوا) كما قال سبحانه في آية أخرى (ما آمنت من قبلهم من قرية أهلكناها)

الجواب: أولاً: الجملة الفعلية تعيد التجدد، بينما في الجملة الاسمية تفيد الثبات.

ثانياً: النفي بالجملة الفعلية: نفي حصول الإيمان (لم يؤمنوا)، فإذا أردت أن تؤكده نفيته بالاسمية.

ثالثاً: النفي بالجملة الفعلية:

1- اختص انتفاء الإيمان عليهم، كقولك (ما أنا سعيت في حاجتك): فاختص النفي عليك، أي لست أنا سعيت في حاجتك فقد يكون الذي سعى السعي خاص شخص آخر إنما الذي سعى فلان أو السعي عام وقع من العموم ولكن اختص النفي عليك فقط فتقول: ولكني لست أنا الذي سعيت.

2- فلما أكدوا إيمانهم بتكرار الباء (آمنا بالله وباليوم الآخر) ناسب أن ينفي عنهم الإيمان على وجه البت والقطع. (أصحاب الكبائر)

3- أنهم ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما. النيسابوري (1/153)

د- الجملة الاسمية تفيد انتفاء الإيمان عنهم في جميع الأزمنة بخلاف الفعلية، الموافقة لدعواهم (آمنا) فلا تفيد إلا نفيه في الماضي. أبو السعود نقلاً من المجمل (2/23)

هـ- حكم على الكفار بإخراج ذواتهم عن طوائف المؤمنين.

و- اختص انتفاء الإيمان عليهم وعلى أشكالهم.

ج- لكنه سبحانه نفى عن أنفسهم وصول الإيمان

- ثم أكد نفي الإيمان ببيان دوام هذا النفي أي استمرار عدم الإيمان.

- انتفاء حدوث الملزوم (الإيمان) مطلقاً. الخفاجي (1/476)

بالجملة الاسمية

د- ثم أكد هذا النفي بالباء:

أبلغ في الدلالة على نفي وجود شيء من الإيمان في زمن من الأزمان (وما هم بمؤمنين). انظر الخفاجي (1/476)

رابعاً: النفي بالجملة الاسمية:

أ- نفي على سبيل البت والقطع وهو أوكد وأبلغ كقوله تعالى (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها) الزمخشري (1/30)، النيسابوري (1/153)

اختص النفي عن الخروج بهذا الصنف وهم الكفار دل على خروج أصحاب الكبائر وهو أبلغ من قولك (ما يخرجون منها)

الثامنة: قال سبحانه (وما هم بمؤمنين) ولم يقل تعالى (وما هم من المؤمنين)؟

الجواب: أ- من سأل فقال هل ناظر فلان في المسألة الفلانية مع مجموعة المناظرين؟

أمامك في النفي ثلاثة أجوبة للنفي: إما أن تقول:

1- إنه لم يناظر. فتذكر بت أن يكون مناظراً بارزاً، ولكنه قد يكون شارك بشيء.

2- أو تقول: ما هو من المناظرين:

أ- يحتمل لم يشاركهم في شيء من المناظره وقد يكون أهلاً للمناظرة لكنه الآن (ليس من عدادهم). انظر الخفاجي (1/477)

ب- يحتمل أنه ليس أهلاً للمناظرة.

3- أو تقول: ما هو بمناظر فقد أبلغت في تكذيبه. يعني أنه ليس من هذا الجنس، ليس من جنس أهل المناظرة.

ب- فلفظ: (ما هم من المؤمنين) يدل على أنهم لم يشاركوا أهل الإيمان في إيمانهم.

ج- يثني لفظ (ما هم بمؤمنين): ليس أهلاً للإيمان، ليسوا من جنس أهل الإيمان. فقد أبلغت (في تكذيبه في أنه ليس من هذا الجنس فكيف يظن به ذلك) الرازي، الخفاجي (1/478)

لماذا جاء مقيداً في الأولى (آمنا بالله وباليوم الآخر) بينما جاء الإيمان مطلقاً في الأخيرة (وما هم بمؤمنين)، لم يقل سبحانه (وما هم بمؤمنين بالله وباليوم الآخر).

ج: أ- يحتمل يراد بالأخيرة (وما هم بمؤمنين) يراد به التقييد (أي بالله وباليوم الآخر) اكتفاء بذكره أولاً (بالله وباليوم الآخر) لدلالة المذكور عليه. الزمخشرى (1/30)

ب- ويحتمل أن يراد به الإطلاق: ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله، ولا باليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرها. الزمخشرى (1/30)

مما يؤكد هذا المعنى أنه ذكر باسم الفاعل (بمؤمنين) واسم الفاعل غير مقيد بزمان، فيشمل نفيه جميع الأزمان. الخفاجي (1/478)

لو قيل (ما آمنوا) كان لنفي الإيمان في الماضي، بينما المقصود أنهم ليسوا متلبسين بشيء من الإيمان في شيء من الأوقات.


 

 

جزء جديد 5

 

و- كيف يخادعون الله تعالى وهو العالم الذي لا تخفى عليه خافية؟ فهو لا يخدع؟

 

1- كانت صورة صنعهم مع الله حيث ينظاهرون بالإيمان وهم كافرون صورة صنع المخادعين. كشاف (1/31) (يعملون عمل المخادع) قرطبي

2- (على ظنهم أنهم يخادعونه) انظر القرطبي (يظنون أنه يروج على الله تعالى كما يروج على بعض المؤمنين) ابن كثير كما قال تعالى (يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) ابن كثير

ز- لِمَ لَمْ يقل الله تعالى (ويخادعون) لماذا قال (يخادعون الله) بحذف الواو؟

ج:

1- بيان لما سبق لقولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)

ففي قولهم (آمنا بالله واليوم الآخر) وهم كاذبون مخادعة لله والذين آمنوا. انظر الكشاف

2- (أو) جواب السؤال: كأنه قيل: ما قصدهم؟ لم يدعون الإيمان كاذبين فجاء الجواب: (يخادعون الله والذين آمنوا) أي بقصد المخادعة. كشاف، بقاعي

ط- لماذا تركهم الله تعالى يخادعون المؤمنين ولم يفضحهم؟

ج:

1- لما أحاط الله به علماً من المصالح. انظر الكشاف في استبقائهم على ما هم عليه. (كحال إبليس وذريته).

2- لو أظهرهم بأسمائهم (لانقلبت تلك المصالح إلى مفاسد) كشاف.

3- قد فضح الله أفعالهم وأظهرها للمؤمنين في سور عدة من ذلك سورة التوبة وتسمى بالفاضحة وسورة المنافقين وسورة البقرة وسورة الحشر وسورة المجادلة وسور عدة.

4- ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً). يتمييز المؤمنون من غيرهم.

(وما يخدعون إلا أنفسهم)

أ- (نفي وإيجاب)

ب- ما معناها:

ج- مسألة: كيف يكون المنافق لا يخدع إلا نفسه؟

1- لأنه يظهر لنفسه بفعله ذلك أنه يعطيها أمنيتها ويسقيها كأس سرورها وهو موردها عَطَبَها (هلاكها) ومجرعها كأس عذابها

ومزيرها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به فذلك خديعته نفسه.

ظناً منه أنه إليها محسن وهو مسيء إليها من أمر معادها. ابن جرير (1/91) ابن كثير (1/74)

2- ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم. لأن ضررها يلحقهم ومكرها يحيق بهم. الكشاف

3- ولأنهم (يمنون أنفسهم الأباطيل ويكذبونها فيما يحدثونها به) وأنفسهم كذلك تمنيهم وتحدثهم بالماني الفارغة. انظر الكشاف / البيضاوي

4- لأن المنافقين لم يعرفوا الله تعالى، إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع كما قال تعالى: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم).

د- كيف يقال بأنه لم يخدع إلا نفسه وقد خدع المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطال الكفر؟

1- الخدعة: إذا كان الطرف الآخر غير عالم بخديعته أما إذا كان الطرف الآخر عارف بخداعة ابن جرير بتصرف (1/93) فلا يعتبر الطرف الآخر مخدوعاً.

2- ثم إذا ظن المخادع أنه يخدع المؤمن، والمؤمن يعلم ذلك ويستدرجه. لبلغ المخادع الغاية في السوء (بكثرة إساءته، وطول عصيانه، وكثرة صفح الطرف الآخر وطول عنوه) لتحل عليه العقوبة تامة كاملة وهو لا يعلم بذلك ليحل عليه غاية الهلاك فلم يخدع إلا نفسه. انظر ابن جرير (1/93)

3- ثم الله تعالى جعل للمؤمنين علامات يعرفون من خلالها المنافقين:

أ- (ولتعرفهم بسيماهم) فالمؤمنون مطلعون على خداعهم.

ب- وفضحهم الله تعالى في سور كثيرة.

4- ثم إن حصل أذى للمؤمنين بخداع المنافقين إلا أنه في نهاية الأمر سينقلب الخداع عليهم بضرره العظيم، فأعظم الأذى عليهم.

فالذي حدث من المنافقين ما هو إلا استدراج للإيقاع بالمنافقين أنفسهم (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).

(وما يشعرون)

(وما)

بداية إدراك الشيء بالمشاعر (الحواس) الخمس مع فضة/ دقة في النظر. الشهاب (1/492-493)

أما المعنى اللغوي (يشعرون):

أ- الشعور: أولى الإحساس بالعلم كأنه مبدأ إثباته مثل أن تكتمل صورته. انظر البقاعي/ حراني (1/44)

ب- الشعور: علم الشيء علم حس. مشاعر الإنسان حواسه. الكشاف

ج- الشعور إدراك الشيء من وجه يدق ويخفى من الشعر لدقته (العلم الدقيق) الشهاب. شعرت بالشيء أي فطنت له. ومنه: الشاعر فلطنته لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني

ليت شعري: أي ليتني علمت.

د- (وما يدرون) ابن جرير (1/63)

كيف نفى عنهم الشعور مع اتصاف الإنسان بالشعور ما دام حياً؟

الجواب:

أ- ما يفطنون أن وبال خداعهم راجع عليهم، فيظنون أنهم قد نجوا بخداعهم وفازوا.

ب- وفي الآخرة يقال لهم: (ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً)

ج- لا يشعرون أنهم مسيئون إلى أنفسهم. (فهم على غباء من أمرهم) انظر ابن جرير (1/92) كالذي لا حس له. لتمادي غفلتهم. انظر الكشاف

د- لا يشعرون بأن الله خادعهم بإملائه لهم واستدراجه إياهم ليبلغ إليهم في الحجة والمعذرة ولها في الآجل مضرة. انظر ابن جرير (1/93)

هـ- يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء. ابن جرير (1/93) ما يشعرون أنهم ليسوا على شيء.

4- وفي الآية تنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم لأنهم أرادوا خداع من لا يخدع. انظر البقاعي (1/43) أرادوا خداع العالم بالسرائر فليس لهم نوع شعور ولا شيء من إدراك. البقاعي

5- نفى عنهم أول مبادئ العلم بالشيء الذي يعلم بالحواس، ويفطن له فوصفهم بالبلادة و وتهكم بهم. انظر الشهاب (1/492)

- نفى العلم من باب أول. الشهاب

5- ما الحكمة من قول الله (وما يشعرون) ولم يقل سبحانه (وما يشعرون بذلك)؟

الجواب:

1- (للتعميم) البقاعي أي نفى عنهم عموم الإحساس لقلة إدراكهم في حق الله تعالى، فكيف في حق غيره؟ إذ المقصود نفي الشعور عنهم البتة من غير نظر إلى متعلقه. المجمل (1/24)

دل على ما وراءه: وهو أنهم لا يشعرون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون.

 

جزء جديد 6

 

ما نوع المرض:

 

أ- فساد في الاعتقاد: في الله وفي النبي r وفي الدين. انظر جرير (1/94)

من ذلك الشك: في الله تعالى وفي رسالة النبي rوما جاء به من عند الله تعالى. انظر جرير (1/94)

ومنها الرياء والنفاق ومنها ضعف في العزم ومنها الجحود ومنها التكذيب. انظر جرير (1/94)

ب- الركون إلى الدنيا: بسكونهم إلى الدنيا، وحبهم لها، وغفلتهم عن الآخرة، وإعراضهم عنها.

ج- الأخلاق القلبية السيئة: كالغل والحسب إذ كانوا يتحرقون على رسول الله r حسداً (إن تمسكم حسنة تسؤهم) كما قال سعد بن عبادة (فوالله لقد أعطاك الله الذي، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة فلما أراد الله ذلك بالحق الذي أعطاكم شرق بذلك)، فيها شدة ألم لما فاتهم من الرئاسة. (الجمل 1/25)

ومنها الميل إلى المعاصي والعزم عليها ومنها استشعار الهوى ومنها الجبن والضعف والخور. ومنها البغضاء: لأن صدورهم كانت تغلي على رسول الله r والمؤمنين غلاً وحنقاً كما قال تعالى (قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مرض القلب نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته:

أ- أما فساد تصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه.

ب- أما فساد الإرادة فهو فساد في الشهوة فيبغض الحق النافع، ويجب الباطل العناد. من هذا الباب فسر المرض بالشهوة. كما قال تعالى (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) وهو مرض الشهوة. انظر المجموع (10/93)

3- تبين من ذلك أن في قلوب المنافقين مرض من جهة فساد الاعتقادات، ومرض من جهة فساد الإدارات. انظر المجموع (10/141)

رابعاً: لماذا وردت منكرة (مرض) ولم ترد معرفة (المرض)

لأنه نوع غير ما يتعارفه الناس من الأمراض. فهو مرض شديد النكارة لقبحه وعظمه وشناعته وشدته. انظر الجمل نقلاً عن البيضاوي أبي السعود (1/25)

لِمَ لَمْ يقل الله تعالى (وزادهم):

فاء السببية، أي بسبب نفاقهم ومرض قلوبهم جازاهم الله تعالى أن فزادهم مرضاً.

كيف زادهم مرضاً:

1- وكلهم إلى أنفسهم: وجمع هموم الدنيا، فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين.

2- بما أحدث من حدوده وفرائضة التي لم يكن فرضتها قبل زيادة المرض. ابن جرير فبزيادة التكاليف الشرعية زاد المرض. الجمل (1/25)

3- كلما أنزل الله على رسوله الموحي فسمعوه كفروا به فازدادوا كفراً إلى كفرهم. الكشاف

- لما أراد ريح الإسلام قد ظهرت بإنزال الله تعالى على رسوله النصر وإظهار دين الحق على الدين كله. انظر الكشاف كما في غزوة بدر فازدادوا جبناً وخوراً.

4-وكذا حين قذف الله في قلوبهم الرعب فيا لحروب وشاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله لهم بالملائكة كما قال r: (نصرت بالرعب مسيرة شهر). انظر الكشاف

5- كلما زاد الله رسوله r نصره وتبسطاً في البلاد ونقصاً من أطراف الأرض ازدادوا حسداً وبغضاً وازدادت قولبهم ضعفاً. الكشاف

6- زيادة المرض بالطبع على القلوب. الكشاف

كما قال تعالى في أول السورة عن الكفار (ختم الله على قلوبهم) بكفرهم (بل طبع الله عليها بكفرهم) وهذا من باب السيئة تجر إلى السيئة وجازاهم الله تعالى على سيئاتهم وقال سبحانه (افرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)، (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)، (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيره للعسرى).

وكما قال سبحانه: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان بعض ما كسبوا)، ولكهم إلى الشياطين وإلى أنفسهم فزادوا مرضاً (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين).

فسلط الشيطان عليهم بالتزيين والوسوسة والدعوة إلى الكفر كما قال إبليس (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم)

لم يفضلها الله تعالى بهم من أول وهلة حين أوهم بالإيمان ولكن لما اختار الضلال وتكرر منهم صار صنيعة وسمة.


 

(بما كانوا يكذبون)

(بما)

أولاً: (الباء): (السببية) الجمل (1/25)

أي العذاب لاحق بهم من أجل كفرهم. ونحو قوله تعالى (مما خطيئاتهم أغرقوا)

(ما)

ثانياً:

1- ما مصدرية. الجمل

أي بتكذيبهم الرسل ، وردهم على الله عز وجل وتكذيبهم آياته.

2- (بمعنى الذي): أي بالذي كانوا يكذبونه

ثالثاً: لِمَ لم يقل الله تعالى (بالذي كانوا يكذبون)؟

أ- (الذي): للشيئ الكبير والعظيم فللشيء المهم الذي كذبوا فيه، بالكذبة العظيمة التي قالوها، والذي كذبوا به، أي بالتكذيب العظيم الذي وقعوا فيه.

ب- (ما): تجمع جميع الأمور التي كذبوها صغيرها وكبيرها، وكذبوا بها صغيرها وكبيرها. وهو المقصود هنا.


 

 

 

جزء جديد 7

 

ثانياً: ما الحكمة من قوله سبحانه (وإذا قيل لهم) ولم يقل الله تعالى (وإن قيل لهم)؟

 

لأن (إذا) تدخل على الفعل الماضي، وتؤذن بوقوع الفعل المنتظر أي (كلما قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) كقول الله تعالى (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله) أي كلما جاؤوك قالوا ذلك لأن المنافق دائماً يريد أن يبرئ ساحته، ودائماً تحوم الظنون حوله.

- وأنهم لا بد وأن يجبنوا إليك (إذا)

بينما (إن) إذا دخلت على الفعل الماضي قد يقع الفعل وقد لا يقع.

والمقصد من الآية بيان إصرارهم على ادعاء الصلاح مع ظهور فسادهم فناسب استعمال (إذا) بدلاً من (أن)

ثانياً: لماذا ورد الفعل بصيغة مبني للمجهول (قيل لهم)

1- إشارة إلى عصيانهم لكل ناصح كائناً من كان. البقاعي

2- وأن المنكر عليهم مجموعة من المنكرين وليس واحداً أعظمهم الله تبارك وتعالى ثم النبي r ثم المؤمنين.

3- عظة المنكر عليهم فلم يعرف.

ثالثاً: لِمَ ورد الفعل بصيغة الماضي؟

4- لأن الإنكار حصل في السابق منذ أن وقعت منهم المفسدة لم يؤخر الإنكار إلى المستقبل.

5- لتوالي المنكرين عليهم، فقد تتعدد الأجيال في الإنكار عليهم وهم مصرون عليها.

 

ثانياً: لماذا خاطبوا المنافقين بهذا الكلام دون غيرهم؟

- بما ظهر منهم (من الأعمال الخبيثة) لقد فاحت رائحتهم. البقاعي

ثالثاً: لماذا ذكرت الأرض معرفة؟

(الأرض)

1- الدلالة على الاستغراق، أي كل الأرض فمن أفسد في جزء منها فكأنما أفسد فيها كلها.

وفيه إيماء إلى تعظيم الشريعة والرسول r والمؤمنين، بهم صلاح الدنيا كلها والإفساد الضار بهم ضار بالدنيا وبالأرض كلها في الناس والدنيا سواهم.

2- أو المقصود الأرض المعهودة: وهي أرض المؤمنين كأنه قيل لهم: لا تفسدوا في أرض المؤمنين، التي فيها مؤمنون.

ما فائدة زيادة (إنما) فلو حذفت تحقق المقصد؟

الجواب:

أولاً: (إنما تفيد القصر). البيضاوي. أي نحن مقصورون على الإصلاح المحض. المجمل، نافين عن فعلهم كل فساد. البقاعي

ثانياً: رد للناصح على سبيل المبالغة. البيضاوي. ليس ما نحن فيه بفساد. الجلالين. لا يصح مخاطبتنا بذلك، لأن شأننا ليس إلا الإصلاح. فحالنا نقية وبريئة من شوائب الفساد. البيضاوي

فهم إنكار على الناصحين، وإصرار علو كونه صلاحاً.

لماذا وردت اسمية (إنما نحن مصلحون)؟

1- للدلالة على أننا ثابتون على الصلاح. كنا صالحين، واستمر بنا الصلاح، وما زلنا مصلحين ثابتون على الصلاح.

2- وفعلنا مقصور على الصلاح بلا شائبة. انظر الشهاب (1/512)

3- أخرجوا الجواب جملة اسمية مؤكدة الاسمية تفيد الثبات ليدللوا على ثبوت الوصف لهم بالصلاح, المجمل

ثالثاً: كيف قالوا ذلك وهم مفسدون:

أ- قالوه على ظنهم، لأن إفسادهم عندهم إصلاح فصوروا فسادهم إصلاحاً كما قال تعالى (أفمن زين له سوء علمه فرآه حسناً). البيضاوي

ب- أي ممالأتنا للكفار ولأهل الكتاب إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين. ابن كثير

ج- نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء.

د- عناداً وإصراراً: إذا ركبوا معصية الله فيقل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا.

قالوا: إنما نحن على الهدى مصلحون. جرير (1/98) ابن كثير

(هم):

أولاً: ما فائدتها، من الممكن (ألا أنهم المفسدون)

1- توكيداً

2- هم أولى الناس وأخص بهذا الوصف وهو الفساد. القرطبي البقاعي

3- هذا الذي فعلوه عين الفساد. انظر ابن كثير

ثالثاً: فيها:

1- تقبيح ما كانوا عليه.

2- وإظهار كذبهم في ادعائهم ورد قبلها (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) تفاصيل الكذب ونتائج التكذيب. الشهابي

3- وأنهم يناظرون على كذبهم بأنواع الشبه. البقاعي.

4- بيان انهماكهم في باطلهم ورأيه القبيح حسناً والفساد صلاحاً. الشهاب (1/507)

رابعاً: ما الحكمة من تعريف الفساد (المفسدون)، لِمَ لَم ترد (مفسدون) منكرة

(إل) الاستغراقية أي الكامل والفساد فهي لاستغراق جميع أوصاف الفساد. البالغون من العراقة في الفساد ما يجعل إفساد غيرهم بالنسبة إلى فسادهم عدمناً لما في ذلك من خراب ذات البين. البقاعي

(لا يشعرون)

ثانياً: لماذا لم ترد (لن يشعروا)

- لأن (لا) تفيد الاستمرار وعدم الانقطاع.

- لذا ترد (لا) في نفي صفات النقص عن الله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم)، (لا يؤده حفظهما)، (لا يظلم ربك أحدا).

(لا يشعرون)

أولاً: معناها: هم في غاية الجلافة فلا شعور لهم يحسنون به التصرف.

ثانياً: ما الحكمة من ورودها بصيغة المضارع (لا يشعرون) لم ترد (ما شعروا)

الجواب: للدلالة على استمرار فقدان الشعور لأن الفعل المضارع يدل على الدوام والتكرار فلا شعور لهم وجلافة وعدم الإحسان في التصرف لا الآن في الوضع الحالي لا في الحال ولا فيما يستقبل من الزمان لأن في الوضع الحالي. انظر البقاعي.

ثالثاً: من العلوم أنه ليس اللوم والذم على من أفسد وهو لا يعلم أنه أفسد ولكن الذم واللوم على من أفسد وهو يعلم أنه أفسد. حينئذ لا لوم عليهم لأنهم لا يعلمون أنهم مفسدون لقوله تعالى (لا يشعرون) فكيف لا مهم الله تعالى وأنكر عليهم؟

الجواب:

1- لا يشعرون بأنهم مفضوحون إنهم يعلمون الفساد سراً ويظهرون الصلاح ولكنهم لا يشعرون أن أمرهم مفضوح عند النبي r وعند المؤمني. انظر القرطبي

2- ولا يشعرون وبال ذلك الفساد يرجع إليهم في الدنيا والآخرة. السمرقندي عن الشهابي

3- حتى لو كانوا لا يرون ما فعلوه فساداً ومع ذلك عليهم أن يتهموا أنفسهم لأن على كل إنسان أن يطيع الله ورسوله r. ويترك ما هو عليه وإن كان يظن أنه محق، لأنه يعلم بأن الله تعالى هو أعلم بالاصلاح من نفسه وأن النبي r مبلغ عن الله تعالى.

فعليه أن يتهم نفسه وإن كانت نفسه تظن بأنه لا لوم عليه (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً)، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً).

- فرض الله عليهم عداوة اليهود وحربهم بينما التقوا باليهود موالين لهم وأمرهم التصديق بالنبي r وبما جاء به لكنهم شكوا في نبوءة النبي، فكيف لا لوم عليهم؟

قم هم كانوا على علم بالحق واستمروا على الفساد جعل هواهم يشكك في اليقين الذي عندهم، إلى أن كانوا على علم بالحق تأصل عندهم الشك الذي قاد إلى الكفر فغابوا في الكفر كمن يغيب في شهوته حتى يغلق على عقله كما لو شرب الخمر فإنه يغيب في الزنا حتى يرتضيه، في حالة سكره فيغيب عن أدنى العلم عنه فهو في سكره، لا شعور عنده.

خامساً: لم قال (لا يشعرون) ولم يقل سبحانه (لا يعلمون) لأن الشعور أدنى مراتب العلم. فدل على عدم الفطنة وعدم الإحساس.

فهو غاية في الندم وأبلغ عن الذم:

1- أن يكون الرجل مفسداً ولا شعور له بفساده البتة.

2- مع أن أثر فساده مشهور في الخارج، مرئي مفضوح وهو لا يشعر به، لا يفطن ولا يحس بذلك، فليس لديه أدنى علم بأنه مفضوح وفساده قد فاح.

3- دل على استحكام الفساد في مداركه سواء في فساد آلات الإدراك عنده وفي طرق عقله. ابن القيم (1/ 268)

 

 

 

 

 

 

جزء جديد 8

 

(وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس. قالوا أنؤمن كما آمن السفاء. ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)

 

(وإذا)

لِمَ لَم يقل سبحانه (وإن قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) بل قال سبحانه (وإذا قيل)؟

”إذا“ يعلق عليها أمر متحقق الوجود فتقول (إذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة) لا تقول إن طلعت الشمس.

قال الله تعالى (إذا وقعت الواقعة)، (إذا رجت الأرض رجاً) هذا متحقق الوقوع/ أو غالباً ما يقع.

(وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه)، (وإذا مسه الشر كان يؤوساً) هذه أحوال أغلب الناس إلا القليل يصيب الجزع وتوقع عدم الانفراج إلا القليل.

أما (إن) تدخل على محتمل الوجود والعدم:

أ- قد يقع وقد لا يقع. (إن ذكرت العاصي بالله تذكر) فقد يتذكر وقد لا يتذكر وكذا بعضهم يتذكر وبعضهم لا يتذكر.

ب- وقد يكون نادر الوقوع وبعيد الوقوع (قال شعيب u: إن عدنا في ملتهم بعد إذ نجانا الله منها)

د- (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها) رحمة الله تعالى بالعباد متحققة، إذاقتهم للرحمة متحققة (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور): أما إصابتهم بالمصائب نتيجة أعمالهم القبيحة فقد تصيبهم ببعض أعمالهم القبيحة، وكثيراً ما نعفو عن قبائح كثيرة، ولا نصيب بها رحمة بهم لأننا نريد أن نذكرهم ببعض قبائحم لا بجميعها (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير). ابن القيم انظر التفسير البلاغي)

ز- في الآية (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) للدلالة على أن أهل الإيمان دائماً يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فهذا دأبهم إشارة للمؤمنين بعدم ترك النهي عن المنكر.

لماذا وردت آية (لا تفسدوا) قبل (آمنوا كما آمن الناس)؟ لماذا نهوهم أولاً عن الفساد ثم أمروهم بالإيمان؟

أولاً: التخلية من أصل الفساد ثم التحلية بأصل الصلاح فالثوب القذر لا يطيب وإنما يتخلص من أصل القذارة ثم يطيب لذا ورد في الشهادتين ”لا إله“ فهو نفي تخلية من تأليه الآلية الباطلة.

نهوهم عن أصل الشرك والكفر والنفاق، ثم أمروهم بأصل التوحيد والإخلاص.

(كما)

أولاً: لماذا دعوهم إلى إيمان مشابه لإيمان الناس ولم يؤمروهم بإيمان المؤمنين؟

أ- طلبوا منهم إيماناً مقروناً بالإخلاص ولو صاحبته المعاصي لا إيمان النفاق.

وكذا أمروهم بالإيمان الموافق للفطرة التي فطر الناس عليها.

ثانياً: لماذا أدخلت (ال) على الناس فيما هم بعض الناس لا كلهم؟

الجواب:

أ- (ال) (أي الذين تعرفونهم من أهل اليقين والتصديق بالله تعالى وبمحمد r وما جاء به من عند الله وباليوم الآخر.

وهم كما آمن رسول الله r ومن معه وكذا أو هم أناس مجهولون كعبد الله بن سلام وأشياعه لأنهم من جلدتهم ومن أبناء ........ أي كما أمن أصحابكم وإخوانكم. الكشاف.

ب- و للجنس:

1- أي كما أمن الكاملون في الإنسانية (ال) أي استغرقوا جميع أوصاف الإنسانية من المروءات وغيرها فهم الكاملون المستجمعون لمعانيه. الشهاب البيضاوي (1/517)

فمن عداهم خرجوا عن إطار الإنسانية (كالبهائم فقد فقد التمييز بين الحق والباطل) الكشاف

2- أو جعل المؤمنون كأنهم لناس على الحقيقة هم كل الناس وليس هم ليسوا أناساً ليسوا شيئاً. انظر الشهاب (1/517)

(قالوا)

لِمَ لَم يرد (فقالوا) (وثم قالوا) (وقالوا)

أولاً: هذا رد سريع وإجابة سريعة بلا فاصل ولا تأن، مجملة دون تفكير ولا إعادة نظر في أقوالهم.

(وإذا قيل لهم آمنوا بما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)

رابعاً:

ما المقصود باللام في (السفهاء)

أ- للعهد (يشار بها إلى الناس) نظر الكشاف الواردة فيها (كما آمن الناس)

للعهد:

1- أي السفهاء المعهودون في الكلام وهم الناس الذين ورد طلب مشابهتهم.

2- فنقول: أو عن هؤلاء الناس سفهاء كيف نؤمن بإيمانهم فيقول: أو قد فعل السفيه؟ لأن الشتم سفاهة وصورة من صورة وعلامة من علامات السفاهة أو المطلوب مشابهة المعروف بالسفه فلما أمرتني بالإيمان قيل أي إيمان: قال: المشار إليهم هؤلاء. قال: تعني المعروفين بالسفه. انظر الشهاب (1/522)

ب- للجنس: أي جنس السفهاء ويشمل الناس الذين جرى ذكرهم في السؤال. على زعمهم واعتقادهم لأنهم أعرف الناس في السفه. انظر الكشاف.

خامساً: لم سفهوهم واستركوا عقولهم وهم العقلاء المراجيح؟

1- لجهلهم.

2- وإخلالهم بالنظر وعدم إنصاف أنفسهم.

اعتقدوا في ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل. ومن ركب متن الباطل كان سفيها.

ولأنهم كانوا (المنافقون) في رياسة في قومهم، ويسار (غنى)

وكان أكثر المؤمنين فقراء، ومنهم موالٍ كصهيب وبلال وخباب فدعوهم سفهاء تحقيراً لشأنهم. الكشاف.

5- تبريراً لئلا تشمت به لما أسلم عبد الله بن سلام.

(أرادوا (ابن سلام) وأشياعه لما فارقوا دينهم أغاظهم ذلك وفت من أعضاءهم فقالوا ذلك لئلا يشمت بهم كيف تركوا دينكم. إلا لنقص بفلان ما أنتم عليه مع علمهم أنهم من السفه بمعزل. انظر الكشاف.

6- كيف يتركون دين آبائهم ويفارقونهم هذه ...... نشأت عن ضعف عقل.

لماذا زيدت (هم) في قوله تعالى (ألا إنهم هم السفهاء)

أ- حصر السفاهة فيهم لا غيرهم. ابن كثير.

ب- لجمودهم على رأيهم الباطل، الذي بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس. انظر البقاعي (1/46)

رابعاً: لماذا وردت في الخداع (يخادعون الله والذين آمنوا) والفساد (لا تفسدوا في الأرض قالوا..) (لا يشعرون) بينما في السفاهة (لا يعلمون)؟

1- لأن المخادع:

إذا سعى في الخداع في حال كون الآخر متفطن لمخادعته ثم هذا الآخر جعل بطريقة خفية يوجه تلك المخادعة لتنقلب على رأس المخادع.

والمخادع في غفلة وهو يظن أنه سيحقق مراده من خداعه بل عنده يقين بذلك.

فلم يكن له أوفى شعور بذلك بل هو غارق في طريق المخادعة. قد أغلق على عقله فهو غير متفطن ولا يحس حينئذ بوصف بعدم الشعور فهو نفي للفطنة الإحساس بالمخادعة ونتيجتها.

2- وكذا الفساد فالفاسد المتقلب في الفساد تكون بيئته هي الفساد الذي يعيش فيه.

عرفه فساد، حياته فساد، أصحابه فساد، أمرته فساد، كلامه فساد حينئذ يستغرب ويستنكر أي شيء غريب يخالف النتن الذي يعيش فيه وأحمد زين له سوء عمله فرآه حسناً وقال سبحانه (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زين للكافرين ما كانوا يفعلون). وكما قال قوم لوط لنبي الله لوط u: (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) لذا يشعر بأن أعماله وتصرفاته متوافقة مع الأعراف والأوضاع، لم يكن لديه أدنى شعور بأن أعماله مفسده للأرض ومفسدة للبيئة لفساد يدرك ويعرف أدنى تأصل (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) وهذا غير متوفر عندهم فالأنسب أن يوصفوا بعدم الشعور (لا يشعرون) (أدنى إحساس أدنى فطنة).

ج- لأنه من المحسوسات التي لا تحتاج له فكر كبير

3- بينما السفاهة جهل مركب ونتقص في العقل فلا يفهم ولا يحسن التصرف ولا يحسن القول ولا يميز النتائج والصفار. انظر الشهاب (1/524)

أ- فا الجهل ينافي العلم.

ب- ضعف الرأي ينافي العلم.

ج- قلة المعرفة بمواضع المنافع والمضار.

د- فالجاهل غالباً ما يتصرف على أنه عالم وفهيم.

هـ- لا سيما إذا أحد ضعيف الرأي فإنه يصر على ادعاء كمال الفهم.

و- نادية الوصف بعدم العلم لا ينفي الشعور.

ح- (والسفه لا يكف في إدراكه إلا رزانة العلم لذا ورد معه نفي العلم)انظر البقاعي (1/46).

ط- والسفاهة مع وجود العقل إلا أنه لم ينضج ويتصف بعدم جهله بالمصالح والمفاسد وعدم القدرة على تقدير المصالح والمفاسد والميزان فيها.

 

جزء جديد 9

 

 

 


 

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)

لماذا كرر ذكر هذا الأمر:

فقد ورد في أول آية في صنف المنافقين (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون)؟ فهذا تكرار؟

الجواب:

أ- ليس تكريراً له، وإنما ما ذكر أولاً في بيان مذهب المنافقين وأصولهم ومعتقدهم. الشهابي الخفاجي (1/525)

وما ورد في هذه الآية بيان لممارستهم لمذهبهم. انظر الكشاف (1/34)

ب- وجواباً للسؤال: كيف يقولون (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)؟

هل صدر عنهم ما يدل عليه؟

كيف مارسوه؟

فأتى الجواب: إذا قيل لهم لا تفسدوا، وإذا قيل لهم آمنوا، وإذا لقوا الذين آ منوا قالوا آمنا.

ج- ثم فيه زيادة بيان (أنهم ضموا إلى الخداع الاستهزاء). الخفاجي (1/525)

لماذا قال سبحانه (إذا) ولم يقل (إن لقوا)

وقوع هذا الأمر منهم متحقق وعلى الدوام.

(إلى)

الأولى: المعنى الانتهاء (إلى الانتهاء)

انتهوا إلى شياطينهم واختلوا بهم.

والثانية: لم عديت (خلوا) بـ (إلى): خلوا إلى؟ ومن المعلوم أنها تعدي بـ (الباء) تقول: خلوت به

الجواب:

أ- تضمنت معنى (ذهبوا وانصرفوا). القرطبي (1/144) أي إذا انصرف المنافقون عن لقاء المؤمنين إلى شياطينهم خالين بهم. انظر جرير (1/102)

ب- وكذا معناها: إذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم. القرطبي أي بعد أن ادعوا إيمانهم للمؤمنين وجاوزوهم وذهبوا عنهم إلى شياطينه. الشهاب (1/530)

ج- إذا خلوا إليهم في حاجة خاصة أما لو قيل (خلوا بهم) لربما فهم منه معنى آخر وهو السخرية به. جرير أو يفعل به الأفاعيل وكقولهم: تركته يختلي به، أي يعاقبه وينفرد به وهذا غير مطلوب.

مسألة ثانية:

لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية (ءامنا)، بينما مخاطبتهم لشياطينهم بالجملة الاسمية محققة ب (إن)؟

الجواب:

أولاً: خطابهم للمؤمنين بالجملة الفعلية (ءامنا)

1- للادعاء بأنه قد وقع منهم الإيمان فقط لا غير.

2- بينما الجملة الاسمية تدل على الثبات لماذا يستعملون أسلوب الثبات على الإيمان؟ أسلوب الثبات يستخدمونه إذا ظهر منهم جانباً قضى دعوى الإيمان وهم يظنون بأنهم لم يظهر منهم شيء يناقض دعوى الإيمان وذلك لعمى قلوبهم وإلا فهم مفضوحون عند المؤمنين.

3- ولكنهم يرون أن المؤمنين ينطلي عليم أي كلام بأي أسلوب. فلا يقتضي ذلك تأكيداً ولا بيان ثبات ما هم عليه بل يكفي البيان بأنهم قد آمنوا.

ثانياً: أما خلوه عن أسلوب التأكيد ذلك لما يلي:

1- لأن نفوسهم وقلوبهم لا تساعدهم على تأكيد الإيمان. وليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك.

2- فلم يصدر القول عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد ولأن المؤمنين ليسوا أهل عنت لذا ينبسط إليهم الإنسان ولا يحتاجون إلى تأكيد الكلام.

3- رأوا بان تأكيدهم لإيمانهم لو أكدوه لا يجعلهم في مقدمة المؤمنين، كيف وقد سبقهم إلى ذلك المهاجرون الأولون والسابقون من الأنصار.

4- ورأوا أن تأكيدهم لن يشتهر ولا يشيع بين المؤمنين لما سبقوا إليه من قبل المهاجرين والأنصار، فلماذا يؤكدونه؟

5- ثم ظنوا بأنهم لم يظهر منهم ما يناقض ادعاءهم الإيمان فلا حاجة للتأكيد.

ثالثاً: أما استخدام الجملة الاسمية والتأكيد بـ (إن وإنما)

1- هم في الأصل كانوا على الكفر وعدم الإيمان، فأرادوا التأكيد على ثباتهم على كفرهم، وأنهم لم يتغيروا فاستعملوا الجملة الاسمية الدالة على الثبات، وكذا التأكيد للتدليل على الثابت.

2- لما أظهروا الإيمان للمؤمنين، علم إخوانهم الشياطين بذلك، فاحتاجوا إلى التأكيد لهم بأنهم ثابتون على كفرهم السابق (لدفع التردد الظاهر من حالهم) الشهاب (1/532)

3- لأنهم يعلمون أن أصحابهم قد عرفوا سجاياهم وأخلاقهم من الكذب والخيانة والغدر، فهم محتاجون للبيان والتأكيد أنهم صادقون فهم في استهزائهم وعدم إيمانهم.

4- في تأكيدهم الثبات على اليهودية والاستقرار على اعتقاد الكفر يدل على شدة رغبة ووفور نشاط وارتياح قلب لما تلفظوا به.

(إنما)

لماذا تلفظوا بهذا الأسلوب (إنما نحن مستهزئون)؟ إذ يكفيهم أن يقولوا (إنا معكم، إنا نحن مستهزئون)؟

الجواب:

كأنهم اعترضوا عليهم حين قالوا (إنا معكم) فقالت شياطينهم: فما بالكم توافقون أهل الإسلام بقولكم (ءامنا) فأجابوهم: (إنما نحن مستهزئون) أي ما نحن إلا مستهزئون عملنا وإظهار إيماننا مقصور على الاستهزاء ونعياً للإسلام.

(مستهزئون)

(المسألة الأولى):

معنى الهزء لغة:

أ- سخرية: أجمعل أهل التأويل (إنما نحن ساخرون) ابن جرير (1/102) ابن عباس، ابن جرير (1/102)

ب- في خفية: (فرح في خفية) المفردات

ج- مع ضحك: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) ضحك الله تعالى فقال العبد (أتستهزئ بي وأنت رب العالمين) (مذكرة علوم القرآن).

د- وحركة: هزأت الراحلة إذا حركتها (الأصعمي) مذكرة علوم القرآن

- قريبة من (الهزِّ)/ اهتز

هـ- السرعة والخفة: فيها معي (الخفة) الكشاف (1/35)

- من الهزء وهو القتل السريع ناقتة تهزأ به أي تسرع وتخفف. الكشاف (1/35)

فيه معنى الاستخفاف. الكشاف

و- قيل (هو إظهار الجد وإخفاء الهزل) الحرالي البقاعي (1/46)

المسألة:

ما هي الإشارة في لفظ (مستهزئون)؟

- فيها أربع وقفات: (مستـ تهـ زئو ن)

- للدلالة على الثبات على ما هم عليه من الاستهزاء.

المسألة: ما الحكمة إضافة (مستـ): الميم/ والسين/ والتاء؟

الجواب: السين والتاء: تستعمل لأمرين

1- للطلب كأن تقول استنجد إذا طلب النجدة. واستعار: طلب الإعارة فالمعنى هنا: (طالبون للهزء، ثابتون عليه). البقاعي (1/46)

2- وتستعمل للتمام والكمال كقول الله تعالى (فاستجاب لهم ربهم) أجابهم إجابة تامة وكقوله تعالى (واستعن بالله) أي الله تعالى في غنى تام عن الخلق وعن الكفار.

فالمعنى: أن المنافقون يخبرون عن أنفسهم أنهم في هزء تام من المؤمنين والإيمان.

المسألة السابعة: ما الحكمة من حذف أداة العطف؟ لِمَ لم تكن الآية (وإنما نحن مستهزئون)؟

الجواب:

1- لكمال الاتصال لم يذكروا بنهي عاطف بين الألفاظ للاستعجال في نفس الإيمان وإرضاء أسيادهم وشياطينهم، رداً ونفياً للإسلام.

2- للتعليل: أي إنا معكم لأننا نحن مستهزئون مستخفون. الشهابي (1/533)

 

 

544444444444


 

 

 

جزء جديد 10

 

(الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون)

 

ما الحكمة في إلغاء حرف العطف ”الفاء“ (فالله يستهزئ بهم) بسبب استهزائهم.

الجواب:

أ- استئناف في غاية الجزالة والفخامة.

ب- استهزاء الله تعالى هو الاستهزاء الأبلغ. الذي ليس استهزاؤهم إليه باستهزاء، ولا يؤبه له في مقابلة (استهزاء الله تعالى)، لما ينزل بهم من النكال ويحل بهم من الهوان والذل. الكشاف (1/35) لما يرون عن عاقبة استهزاء الله تعالى بهم.

ج- لئلا يندرج في مقول المنافقين. الشهاب (1/540)

د- لئلا يتقيد بالظرف (إذا خلوا) فلا تكون جملة حالية، أي الله يستهزئ بهم حال خلوتهم إلى شياطينهم)، وإنما استهزاؤه سبحانه سواء حال خلوتهم وغير حال خلوتهم.

لم نسب الاستهزاء إلى الله تعالى؟ ولم يقل (حاق بهم ما كانوا به يستهزئون)؟

أ- للبيان (أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاماً للمؤمنين). الكشاف (1/35) وأنه سيكفيهم مؤنة الانتقام. الشهاب (1/540)

ب- وأن الاستهزاء الذي سيحل بهم هو أعظم استهزاء وأن استهزاؤه سبحانه صادر عمن كمل علمه، وكملت قدرته وكمل ملكه وإن له الحق وخضعوا له. فأين استهزاؤهم من استهزائه. انظر الشهاب (1/540)

(يستهزئ)

لِمَ لَم يقل سبحانه الله يهزأ بهم؟

الألف والسين والتاء تأتي لبيان الكمال، أي الله تعالى يستهزئ بهم استهزاءً تاماً.

الرابعة: لم صدرت الآية باسم الله تعالى؟ من ممكن أن يتحقق ذلك بقوله تعالى (يستهزئ الله بهم).

الجواب:

أ- للاختصاص: فالله تعالى هو الذي يتولى بنفسه الاستهزاء بهم، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله. فاستهزاء المؤمنين استهزاء ناقص واستهزاء المنافقين الناقص أما استهزاء الله تعالى فهو تام من جميع الأوجه ما بين استهزاؤهم من استهزائه سبحانه فاستهزاؤهم أحقر الاستهزاء.

ب- الحصر: فالله تعالى هو المستهزئ دون المؤمنين.

ج- للإشارة والتنبيه: إشارة إلى أنه يحاربهم بما لا يقدر عليه البشر. الشهابي (1/543) فهو وحده القادر لذلك.

”يستهزئ“

لم يقل سبحانه الله يهزأ بهم؟

الألف والسين والتاء تأتي لياء الكمال، أن الله تعالى يستهزئ بهم استهزاءً تاماً.

الثانية:

الاستهزاء لا يحسن أن ينسب وأن يتصف به ذو الجلال والإكرام؟

الجواب:

أولاً: الاستهزاء ينقسم إلى قسمين:

أ- الأول: استهزاء عدل وحق وحسن

وهو الذي يلحق من يستحق أن يستهزأ به كحال الكفار لما ضحكوا على المؤمنين في الدنيا مستهزئين بهم يوم القيامة استهزاء المؤمنون بهم (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين) فجازاهم الله تعالى أن أضحك منهم المؤمنين (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون، على الأرائك ينظرون، هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون). فكان استهزاء المؤمنين من الكفار عدلاً وحقاً. فهذا النوع من الاستهزاء بمدح صاحبه ولا يذم.

ب- النوع الثاني: استهزاء ظلم واستهزاء سيئ

وهو الذي يلحق بمن لا يستحق الاستهزاء به. كاستهزاء الكفار بالمؤمنين، واستهزاء الناس بعضهم ببعض باطلاً.

ثانياً: إذا تبين ذلك:

فاستهزاء الله تعالى بالكفار استهزاء حق وعدل، ويمدح الله تعالى به لكمال قوته وقهره، وحكمته وحلمه.

ابن جرير (كان معلوماً أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم وعدلاً ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقاتهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم مستهزئاً وساخراً، ولهم خادعاً، وبهم ماكراً دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم أو عليه فيها غير عادل. ابن جرير جامع (1/104)

الثالثة: ما نوع استهزاء ذي الجلال بهم؟

 

الجواب:

أ- من ذلك ما يفعل بهم يوم القيامة:

(يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا: بلى). ابن جرير (1/102)

ب- ومنه ما أخبرنا سبحانه أنه فعل بالكفار:

(ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً). ابن جرير (1/102)

ج- ومنه: أن الله تعالى (يظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف ما ادخره لهم في الآخرة. انظر ابن جرير (1/103)

د- ومنه (جعل الله تعالى لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستنبطين. ابن جرير (1/103)

أن جعل الله للمنافقين في الدنيا من أن أحكام المسلمين المصدقين مع علم الله عز وجل بكذبهم، واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون.

حتى ظنوا في الآخرة إذا حشروا في عداد المصدقين المؤمنين وأنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم.

والله جل جلاله معدٌ لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده، حتى ميز بينهم وبين أوليائه، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل. انظر ابن جرير (1/103)

فكان بهم مستهزئاً وساخراً، ولهم مخادعاً وبهم ماكراً. انظر ابن جرير (1/103-104)

د- ومنها أن منحهم الله تعالى يوم القيامة نوراً قبل الصراط، فهم إذا مروا على الصراط انطفأ (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم)، فهذا نوع آخر من الاستهزاء. انظر ابن جرير (1/103- 104)

هـ- ومنها:

(إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون). ثم قال سبحانه بياناً لجزاء هذا الاستهزاء باستهزاء المؤمنين (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون)

وكما قال سبحانه (وجزاء سيئة سيئة مثلها) أي يجازى على ذنوبه وسيئاته بما يسوؤه من المصائب كما قال سبحانه (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم)، (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك).

فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه. التجاوز في الشيء ومقدم لما ينبغي أن يقتصر عليه على وجه العموم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقوله: (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) العدوان مجاوزة الحد، لكن إن كان بطريق الظلم كان محرماً، وإن كان بطريق القصاص كان عدلاً مباحاً، فلفظ العدوان في مثل هذا هو تعدي الحد الفاصل، لكن لما اعتدى صاحبه جاز الاعتداء عليه، والاعتداء الأول ظلم والثاني مباح، ولفظ عدل مباح، ولفظ الاعتداء هنا مقيد بما يبين أنه اعتداء على وجه القصاص، بخلاف العدوان ابتداء فإنه ظلم، فإذا لم يقيد بالجزاء فهم منه الابتداء؛ إذ الأصل عدم ما يقابله.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وجزاء سيئة سيئة مثها)، وقوله: (الله يستهزئ بهم) (ويمكرون ويمكر الله)؟

السيئة اسم لما سبق صاحبها، فإن فعلت به على وجه العدل والقصاص كان مستحقاً لما فعل معه من السيئة، وليس المراد أنها تسبق الفاعل حتى ينهى عنها، بل تسبق المجازى بها، ولفظ السيئة والحسنة يراد به الطاعة والمعصية، ويراد به النعمة والمصيبة. كقوله: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، وقوله: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها)، وقوله: (وجزاء سيئة)، لم يرد به كل من عمل ذنباً، وإنما المراد جزاء من أساء إلى غيره بظلم فهي من سيئات المصاب فجزاؤها أن يصاب المسيء بسيئة مثلها، كأنه قيل: جزاء من أساء إليك أن تسيء إليه مثل ما أساء إليك، وهذه سيئة حقيقة.

وأما الاستهزاء والمكر بأن يظهر الإنسان الخير والمراد شر فهذا إذا كان على وجه جحد الحق وظلم الخلق فهو ذنب محرم، وأما إذا كان جزاء على من فعل ذلك بمثل فعله كان عدلاً حسناً، قال الله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزئون! الله يستهزئ بهم)، فإن الجزاء من جنس العمل. وقال تعالى: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً)، كما قال: (إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً)، وقال: (كذلك كدنا ليوسف).

وكذلك جزاء المعتدي بمثل فعله، فإن الجزاء من جنس العمل، وهذا من العدل الحسن، وهو مكر وكيد إذا كان يظهر له خلاف ما يبطن.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الصواعق: قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله) وقوله: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً) وذهلتم عن قوله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) وكذلك قوله تعالى: (وهو شديد المحال) فسر بالكيد والمكر، وكذلك قوله تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم إن كيدي متين).

وكقوله تعالى: (إنهم يكيدون كيداً. وأكيد كيداً)، وقوله (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم).

والصواب أن معانيها تنقسم إلى محمود ومذموم، فالمذموم منها يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمناً للكذب أو الظلم أولهما جميعاً، وهذا هو الذي ذم الله تعالى لأهله كما في قوله تعالى: (يخادعون الله والذين آمنوا) فإنه ذكر هذا عقب قوله: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)، فكان هذا القول منهم كذباً وظلماً في حق التوحيد والإيمان والرسول وأتباعه، وكذلك قوله: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض)، وقوله: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) وقوله: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم)، فلما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن الغالطون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كانت مجازاً، والحق خلاف هذا الظن وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمناً للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، إن المخادع إذا خدع بباطل وظلم حَسُنَ من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ ظالماً معتدياً كان المكر به والاستهزاء عدلاً حسناً كما فعله الصحابة بكعب بن الأشرف (وابن أبي الحقيق وأبي رافع) وغيرهم ممن كان يعادي رسول الله r، فخدعوه حتى كفوا شره وأذاه بالقتل، وكان هذا الخداع والمكر نصرة لله ورسوله r.

كذلك ما خدع به نعيم بن مسعود المشركين عام الخندق حتى انصرفوا، وكذلك خداع الحجاج بن علاط لامرأته وأهل مكة حتى أخذ ماله.

وقد قال النبي r: ”الحرب خدعة“.

وجزاء المسيء بمثل إساءته في جميع الملل مستحسن في جميع العقول، ولهذا كاد سبحانه ليوسف حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه حيث أظهروا له أمراً وأبطنوا خلافه، وكان هذا من أعدل الكيد، فإن إخوته فعلوا به مثل ذلك حتى فرقوا بينه وبين أبيه وادعوا أن الذئب أكله، ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع، ولم يكن ظالماً لهم بذلك الكيد، حيث كان مقابلة ومجازاة، ولم يكن أيضاً ظالماً لأخيه الذي لم يكده، بل كان إحساناً إليه وإكراماً له في الباطن وإن كانت طريق ذلك مستهجنة، لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذف به وكان ذلك سبباً إلى اتصاله بيوسف واختصاصه به لم يكن في ذلك ضرر عليه.

إذا عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقاً، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر، المخادع، المستهزئ، الكايد، فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغر هذا الجاهل أنه سبحانه أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها بالرحيم الودود الحكيم الكريم. وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقاً بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقاً، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد ولا المتكلم ولا الفاعل ولا الصانع، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها، كالحكيم والحليم والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون فيها الماكر المخادع المستهزئ؟ ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي والجائي والآتي والذاهب والقادم والرائد والناسي والقاسم والساخط والغضبان واللاعن إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلق على نفسه أفعالها في القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل.

الرابعة: هلا قيل [الله مستهزئ بهم] ليكون مطابقاً لقولهم (إنما نحن مستهزئون)؟

الجواب:

لفظ (يستهزئ) فعل مضارع أ- يفيد تجدد الاستهزاء وقتاً بعد وقت وهكذا كانت نكايات الله تعالى فيهم وبلاياه النازلة بهم قال تعالى: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين) ولا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار، وتكشف أسرار. الكشاف (1/35)

ب- تفيد إمكانية التوبة وقبولها وصحتها. انظر البقاعي (1/46)

فإذا تاب قبلت توبته ولم يتجدد الاستهزاء في حقه بينما (مستهزئ بهم) ربما يدل على ثبات الاستهزاء، وعدم ارتفاعه ولو تابوا.

 

الخامسة: لكن الجملة اسمية إذا بدأت بـ (الله)، فهو لفظ الجلالة في محل رفع مبتدأ. فكيف يقال فعلية أو تفيد التجدد.

الجواب:

أ- يوجد فرق ما بين: (الله مستهزئ بهم) و (الله يستهزئ بهم).

ب- (الله مستهزئ) يفيد الاستمرار الثبوتي (مستهزئ) هذا إذا كان المبتدأ والخبر كلاها اسم. ثم البلاء إذا استمر قد يهون، وتألفه النفس.

ج- (الله يستهزئ بهم)

1- يفيد الاستمرار المتجدد هذا إذا كان المبتدأ اسم وخبره فعل مضارع، فلا تألفه النفس لتجدده. فيكون ضرره أوقع لأن النفس لم تألفه فهو أبلغ. انظر الشهاب (1/542-543)

2- أي يتجدد فرد (نوع من الاستهزاء) وينقضي ثم يتجدد فرد آخر، فيكون الاستمرار في جنس الاستهزاء، والتجدد في الأنواع أو الأفراد. انظر الشهابي (1/ 543)

السادسة: لِمَ لَم يقل (الله يهزأ بهم) فقال (يستهزئ بهم)

لبيان كمال الهزء بهم الألف والسين والتاء تفيد التمام كما قال r (يستحي من عبده) وقال سبحانه (واستغنى الله)، (فاستجاب لهم ربهم)

كيف يمدهم الله في الطغيان؟

المقصود يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم كما قال سبحانه (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً). القرطبي/ ابن جرير (1/104) ابن كثير (1/78) ويتركهم في عتوهم وتمردهم كما قال تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) أي ونتركهم فيه ونملي لهم ليزدادوا إثماً إلى إثمهم. ابن جرير (1/105)

وكما قال سبحانه (بل طبع الله عليها بكفرهم) (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى).

(الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون).

في:

المعنى للاستقرار كما قال (ولأصلبنكم في جذوع النخل) (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)

ثانياً: لِمَ لم يقل سبحانه (من الطغيان)

لإن في لكمال استقرارهم في الطغيان

ما الفرق بين العمى والعمه؟

الأولى: المعنى لغة:

أ- (عدم الإمارات والعلامات من حجارة وتراب) في الطرق التي تنصب لتدلهم، وهو المنار) الشهابي (1/549)

ب- العمى القلبي (العمى في العين والعمه في القلب) كما قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

ج- العمى العقلي: العمى في الرأي. الكشاف (1/36)

د- الحيرة: عَمِه الرجل إذا حار، حيارى يتحيرون. القرطبي، وانظر ابن جرير (1/105)

هـ- التردد: رجل عامه وعَمِه: متردد. القرطبي (في طغيانهم يعمهون: في كفرهم يترددون) ابن عباس، مجاهد، الربيع، وابن جرير (!/ 105-106) (لا يدري أين يتوجه). الكشاف (1/36)

هـ- الضلال: العمه نفسه الضلال عمِه إذا ضل. ابن جرير (1/105)

التمادي في الكفر: يعمهون: يتمادون في كفرهم قال ابن عباس: يعمهون يتمادون، فهو اتهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس، فلا يبقى له سبب يرجعه عن طغيانه. فلا يتعدى حداً ( طغى إلا عمه فلم يرجع، فهم أبداً متزايدو الطغيان) ..... والبقاعي (1/47)

 

 

 

 

 

 

 


 

الثانية: لماذا وحده (الذي) مع قوله قبله (مثلهم) بصيغة الجمع

 

جزء جديد 11

 

أ- لأن المستوقد كان واحداً من جماعة تولى الإيقاد لهم أوقدت النار لجميعهم. القرطبي

 

ب- (الذي) يعود على أفعالهم أي جعله مثلاً لأفعالهم. انظر الطبري (1/109) كقوله تعالى (تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) يعني كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت وكقوله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) أي إلا كبعث نفس واحدة. الطبري (1/109)

ج- فالمعنى واحد لجميع الأشخاص فالاستيقاد وإن اختلف المستوقدون إلا أن المعنى واحد لا معانٍ مختلفة. فالمثل لهم في معنى المثل للشخص الواحد فكذا المثل للمنافقين في الاستيقاد كالمثل للمنافق الواحد. فجاز تشبيه أفعال الجماعة إذا كانت بمعنى واحد بفعل الواحد). الطبري (1/109)

لماذا قال سبحانه (استوقد) لِمَ لم تكن الآية (أوقد ناراً).

أ- لأن المقصود بذلك المنافق، والمنافق عالة على غيره.

ب- لم يستضئ بنور الإيمان من قبل نفسه. انظر التفسير القيم (120) بل يستضئ بنور المؤمنين لأنه لا نور له. إذ لم يؤمن بالله واليوم الآخر. فلما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه وتصديق جازم. كان ما معه من النور كالمستعار. انظر التفسير القيم (120)

فلما ذهب عنه المؤمنون بقي في ظلمه لذا قال سبحانه (فلما أضاءت ما حوله) إذ لم يضيء قلبه.

ج- هم طلبوا أن توقد لهم ولم يوقدوها هم.

المسألة الرابعة لماذا جاءت (ناراً) منكرة غير معرفة (النار)؟

تنكيرها للتعظيم. الكشاف (1/39)

ثالثاً: ما معنى الضياء/ الضوء

فرط الإنارة (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً). الكشاف (1/38)


 

 

 

جزء جديد 12

 

رابعا: أين الإضاءة في حال المنافق وهل هو إلا حائر خابط في ظلماء الكفر؟

 

الجواب:

أ- ما جرى على ألسنتهم من كلمات الإيمان التي استضاؤا بها، فانتفعوا بها قليلاً، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله وظلمة العقاب السرمد. انظر الكشاف (1/39)

الثالثة: مسألة لماذا جعل ضوءها خارجاً عن المنافق منفصلا؟

لأنه بنفسه مظلم، ظالم لنفسه، غير قابل للأنوار الإلهية. الخفاجي (1/ 573)

الجواب: لم يصبه نور الإيمان في الدنيا، فلم يدخل فيه لو اتصل ضوؤها به ولامسه لم يذهب، ولكنه كان ضوء محاورة (أي ضوء مجاور للمنافق حوله، لم يدخل المنافق فيه) لا ملامسه ومخالطه، وكان الضوء عارضاً لظلمة أصلية، فرجع الضوء إلى معدنه (أصله)، وبقيت الظلمة في معدنها. تفسير ابن القيم (116)

ثم هو مستضيء بنور المؤمنين ومستضيء بإظهاره الشهادتين اللتين لم تدخلا قلبه فلم يدخل الإيمان قبله وإنما ظاهر فقط في صلاته معهم، وصيامه معهم ومشاهدتهم أعلام الإسلام متى ما ذهب عنه المؤمنون بقي في ظلمة وفي أي لحظة يذهب عنه الظاهر ويظهر نفاقه.

ثالثاً: لم قال سبحانه (ذهب الله بنورهم) ولم يقل سبحانه (أذهب الله نورهم) هل من حكمة؟

الجواب:

ذهب به: إذا استصحبه، ومضى به معه، ذهب السلطان بماله: أخذه. (فلما ذهبو به)، (إذاً لذهب كل إله بما خلق)، (الياء للمصاحبة). الجمل (1/32)

المعنى: أخذ الله نورهم، وأمسكه وما يمسك الله فلا مرسل له. فهو أبلغ من الإذهاب.

ثانياً: ما الفرق بين النار والنور

النار: كل مضيء حار محرق. انظر الزمخشري (1/38)

النور: شيء لطيف، ضوء النار وضوء كل نير وهو نقيض الظلمة. الكشاف (1/38)

ثالثاً: لماذا وردت الآية (بنورهم) ولم ترد (بنوره). إذ قال سبحانه في بداية الآية (ما حوله) تقتضي ( بنوره)؟

لئلا يتوهم أن الله ذهب بنور بعضهم بينما انتفع بعضهم الآخر بنوره. فقال المولى جل وعلا (بنورهم) متفقاً مع ما ورد في أولها (مثلهم)

ثالثاً: لم قال سبحانه (ذهب الله بنورهم) ولم يقل سبحانه (ذهب بنورهم)؟

أولاً:

1- الياء فيها معنى الإلصاق والمصاحبة. الخفاجي (1/578)

2- النور الذي يعطاه العبد ملتصق بمعية الله تعالى.

فمتى ما كان الله تعالى مع العبد استنار بنور الله تعالى (الله نور السماوات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) ومتى ما تخلى الله تعالى عن العبد ذهب عنه النور، واحتوشته الظلمة في قلبه ووجهه وما حوله وما عن يمينه وشماله (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)

ثانياً: فيه إشارة إلى انقطاع معية الله الخاصة للمؤمنين فإن الله مع المؤمنين (إن الله مع الصابرين) (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون). فذهاب الله تعالى بذلك النور هو انقطاع المعية التي خص بها أولياءه. فقطعها بينه وبين المنافقين فلم يبق عندهم بعد ذهاب نورهم، ولا معهم. فليس لهم نصيب من قوله (لا تحزن إن الله معنا)، ولا من (كلا إن معي ربي سيهدين) فهو سبحانه أمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى. انظر التفسير القيم (115)، الخفاجي (1/578)

ثالثاً: ولأن التقادير والأمور كلها بيد الله تعالى. انظر الخفاجي (1/ 576-577)

رابعاً: لم قال الله تعالى (ذهب بنورهم) ولم يقل سبحانه (بنارهم) الذي يطابق أول الآية (استوقد ناراً)؟

الجواب:

لأن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق وهو النور، وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق والأذى. انظر التفسير القيم (116-125).

وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، وقلوبهم قد صَلِيت بحرها وأذاها، وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة ناراً مؤصدة تطلع على الأفئدة. انظر التفسير القيم (125)

خامساً: لم قال سبحانه (بنورهم) ولم يقل (بضوئهم) ليطابق قوله (فلما أضاءت ما حوله)؟

الجواب:

لأن الضوء زيادة في النور

أولاً: فلو قال: (ذهب الله بضوئهم) لأوهم ذهاب الزيادة فقط ويبقى أصل النور.

ثانياً: فلما كان النور أصل الضوء، كان الذهاب به ذهاباً بالأصل وبزيادته فلم يبق له شيء من النور.

وهو أبلغ في النفي عنهم وأنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم لذا قال تعالى بعده (تركهم في ظلمات لا يبصرون)

ثالثاً: لأن الله تعالى سمى كتابه نوراً، ورسوله نوراً ودينه نوراً. ومن أسمائه النور، والصلاة نور، فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله.

رابعاً: وليطابق هذا المثل ما تقدمه من قوله سبحانه (أؤلئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) وطابق التجارة الخاسرة حصول الضلالة، والرضى بها، وبذل الهدى في مقابلتها، وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها بدلاً عن النور الذي هو الهدى والنور فبذلوا الهدى والنور وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة فيا لها من تجارة ما أخسرها وصفقة ما أشد غبنها. انظر التفسير القيم (116)، الكشاف (1/39)

سادساً: إذا كان الضوء زيادة في النور، لماذا سمى الله تعالى نفسه بالنور ولم يسم نفسه سبحانه بالضوء؟

النور أصل، والضوء شعاعه وفرعه، فالضوء فرع النور يقع على الشعاع المنبسط. الخفاجي (1/579)

أي النور أصل منه ينشأ الضوء، ومنه مبدؤه، وعنه يصدر. الخفاجي (1/580) فإذا فقد النور فقد الضوء، وإذا وجد النور (الأصل) فقد يتواجد الضوء كما في الشمس نور وضوء (الشمس ضياء)، وقد يتواجد النور ولا يتواجد الضوء، كما في القمر (والقمر نوراً).

والله تعالى أصلاً وليس فرعاً، تعالى الله عن ذلك لذا سمى الله تعالى بالنور، وقال سبحانه (الله نور السموات والأرض). انظر الخفاجي (1/580)

 

 


 

 

جزء جديد 13

 

سابعاً: لماذا ذهب الله بنورهم؟

 

الجواب: إن النار لدوامها تحتاج إلى مادة تغذيها.

وتلك المادة للنار والضياء بمنزلة غذاء الحيوان فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها. فإن لم توجد مادة الإيمان طفئ كما تطفأ النار بفراغ مادتها. انظر التفسير القيم (120-121)

ثامناً: هل لهم من نور حتى يقال في حقهم (نورهم)؟

الجواب:

نعم معهم نور ضعيف لا يضيء ما حوله ولا يستضاء به وهو نور مخالطة أهل الإيمان، والتلفظ بالشهادتين ظاهراً، وإظهار الإيمان باللسان الذي لا حقيقة له في القلب.

وهذا يوافق ما يحصل لهم يوم القيامة من النور الذي يعطونه على قدر إصبع قدم أحدهم، فإذا ما وقف على الصراط ذهب عنه النور، ليهوي على أم رأسه في الهاوية في أسفل سافلين.

تاسعاً: قال الله تعالى (ذهب الله بنورهم) ولم يقل (بأنوارهم) مع جمعه الظلمة بقوله سبحانه (وتركهم في ظلمات)

الجواب:

لأن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، لا صراط يوصل إليه سواه، وهو عبادة الله وحده لا شريك بما شرعه على لسان رسوله r لا بالأهواء والبدع. بخلاف طرق الباطل، فإنها متعددة متشعبة. التفسير القيم (116-117)

ولهذا يفرد الله تعالى الحق ويجمع الباطل كقوله تعالى (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)، وكقوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فجمع سبل الباطل، ووحد سبيل الحق.

وصح عن النبي r: ”أنه خط خطاً مستقيماً، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه“ ثم قرأ قول الله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) لذا قال r: ”ستتفرق هذه الأمة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة“. التفسير القيم (117)

فوحد سبيل الحق، وعدد طرق الضلالة ولكن سبيل الحق له عدة صور من صلاة وصيام وحج وأذكار وزكاة وصدقة وأعمال البر الكثيرة فكلها تصب في هذا الطريق الأوحد، حينئذ سماها الله تعالى بسبل السلام (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام). انظر التفسير القيم (......)

سادساً: لماذا جمعها (ظلمات)؟ ولم يقل سبحانه (ظلمة)؟

ظلمة المكان، ظلمة ظل دخان النار، و(ظلمة الليل، وظلمة تراكم الغمام فيه، وظلمة انطفاء النار) الجمل (32)

(لا يتراءى فيها شبحان) الكشاف (1/39) (لا ينفذ فيها بصر) البقاعي (1/48)

سابعاً: لماذا نكرت فقال سبحانه (ظلمات) ولم يقل (الظلمات)؟

لأنها ظلمة مبهمة لا يتراءى في شبحان. الكشاف (1/39) فكيف إذا كانت ظلمات مبهمة، لذا قال سبحانه بعدها (لا يبصرون). انظر الكشاف (1/39)

ثامناً: قال الله تعالى قبلها (ذهب الله بنورهم) فهو يقتضي الظلمة ما الفائدة من قوله سبحانه بعدها (وتركهم في ظلمات)؟

تأكيداً لما قبلها. وقيل: المراد إزالة النور بالكلية. إذ الظلمات درجات كما قال تعالى (ظلمات بعضها فوق بعض). الشهاب (1/580) فعدم النور ظلمة ثم (في ظلمات) أي ظلمات متراكمة فوق بعضها، ليست ظلمة واحدة.

ثم شأن المستضيء في الظلمة زوال إيضاءه بالكلية عقب الضوء، بخلاف غير المستضيء فإنه قد يرى في الظلمة. الشهاب (1/580)

ثانياً: ما الحكمة من إضافة هذه الزيادة (لا يبصرون) إذ تحقق المراد بقوله (ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات)؟

لأن شأن المستضيء في الظلمة زوال إيضاءه بالكلية عقب الضوء، بخلاف غير المستضيء فإنه قد يرى في الظلمة. الشهاب (1/581)

 

 


 

(صم بكم عمي فهم لا يرجعون)

 

جزء جديد 14

 

لماذا هم صم؟

 

أ- أما فعلهم فهو بسبب كونهم صماً إذ أعرضوا عن الحق، وسعوا لعدم سماعه (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم).

ب- وأما بختم من الله تعالى على آذانهم، فهو (نتيجة) فعلهم، فعاقبهم الله تعالى كما قال تعالى في حق الكفار (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)، وهم إخوان الكفار، (فلا يسمعون لغلبة خذلان الله عليهم) ابن جرير (1/113)

ج- والاثنان صحيحان فهم بذلوا سبب ذلك، فعاقبهم الله تعالى بالختم. كما قال تعالى (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم).

لماذا لا يتكلم بالحق والهدى

أ- إما بفعله وإعراضه:

فكان منه السبب لا يتكلم بالخير بسبب عمى القلب وفساد السريرة. البقاعي (1/48)

ب- أما بما ختم الله تعالى على أفواههم:

فكان منهم السبب، ومن الله تعالى النتيجة والعقوبة، (لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فهم لا يهتدون). ابن جرير (1/114)

ج- والأمر كذلك فهم بذلوا السبب فلم يتكلموا بالحق والهدى، فعاقبهم الله تعالى بأن ختم على أفواههم.

الخامسة: كيف وُصفوا بالبكم أي عدم النطق، بالرغم من أنهم كانوا ينطقون بالحق (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا)، (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر)

الجواب:

أولاً: (لأن تكلمهم بالحق في حكم العدم). الشهاب (1/590) إذ النطق المعتبر هو الصادر عن القلب وعن المحبة والصدق. أما النطق الكاذب المخالف لما في القلب فلا اعتبار له لذا قال تعالى (وما هم بمؤمنين، يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) وأجاب عن قولهم (قالوا آمنا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) قال سبحانه (الله يستهزئ بهم). وكذا النطق الصادر عن اضطرار أو عدم شعور لا اعتبار له

ثانياً: (الحق شامل لكل ما هو حق وهم ساكتون عن أكثره) الشهاب (1/590) والحكم للغالب لا للنادر.

الرابعة: لماذا ذكرت هذه الأمور الثلاثة: صم، بكم، عمي دون غيرها؟

الجواب:

أ- لأن الهدى يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب: مما يسمعه بأذنه، ويراه بعينه، ويعقله بقلبه. وهؤلاء قد سدت عليهم أبواب الهدى، فلا تسمع قلوبهم شيئاً ولا تبصره ولا تعقل ما ينفعها. بدائع التفسير (1/273)

ب- فيه دلالة تنبيه، (تنبيه على سبيل الاختصار في البيان) الشهاب (1/590) فذكر هذه الثلاثة كناية عن اختلال جميع المشاعر والقوى. الشهاب (1/590)

ج- ثم فيه إشارة إلى شدة الحالة التي أصابتهم من وقع في ظلمات مخوفة هائلة ربما أداه ذلك إلى الموت فضلاً عن فقد الحواس. ألا ترى من حبس زماناً في مطمورة مظلمة قد يذهب بصره، ويبتلى بأمراض حادة يعتقل بها لسانه. الشهاب (1/600) أي أصابهم ما أصابهم من اختلال في جميع الجسد إلى أن عميت عيونهم وربطت ألسنتهم وصمت آذانهم.

الخامسة: لكنه سبحانه وصفهم بالصمم والبكم والعمى التام، بينما هم موصوفون بنوع منه لا بالصمم التام؟

الجواب: خلق الله تعالى هذه الحواس لغاية وهدف واحد وهو تحقيق توحيد الله تعالى بها فإذا لم تحقق الأصل الذي من أجله خلقت، ما كأنها موجودة، بل معطلة تعطلاً تاماً عن تحقيق المقصود الأصل الذي من أجله خلقت، فكأن هذا هو الأولى بوصف الصمم والبكم والعمى.

السادسة: لماذا قدم الصمم على البكم والعمى؟

الجواب:

1- لأنه في مقام إجابة الداعي إلى الإيمان قدم السمع. البقاعي لأنه به تكون البداية، فهو أول وسيلة تستخدم في الدعوة إلى الله تعالى وهو بريد القلب للمخاطب.

وفي حديث الأربعة الذي يأتون يوم القيامة قال رسول الله r: ”أربعة يوم القيامة يدلون بحجة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ومن مات في الفترة. فأما الأصم فيقول: يا رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. وأما الأحمق فيقول: جاء الإسلام والصبيان يقذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات على الفترة فيقول: يا رب ما أتاني رسولك. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً“. رواه الطبراني وصححه ابن حبان والألباني (1434)

السابعة: لماذا ثنى بالكم؟

أولاً:

- لأن من طبيعة الإنسان أنه إذا سمع شيئاً نطق به. وإذا أحب شيئاً نطق به كما يقال (الحب ينطق).

ب- لكنه إذا لم يحب ما سمعه من حق كتمه، وتبرم منه، فلا يذكر الخير الذي فيه. وهو موافق لقوله تعالى بعد ذلك (وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) فلا ينطق بالحق بل يحرفه، فهو أبكم عن الحق.

(وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون) يتواصون بكتم الحق.

ثانياً: لأن الصمم إذا كان خَلْقياً فإنه يستلزم البكم.

الثامنة: لماذا أخر العمى؟

الجواب:

لأنه شامل لعمى القلب وعمى العين. الشهاب (1/590) فلو صاحت الحواس من سمع ونطق ولكن القلب أعمى فلا ينتفع من حواسه، فإليه تنتهي الحواس لتحقيق أغراضها. فلا يصلح أن يكون العمى بين الصمم والبكم، لأن البكم من مستلزمات الصمم، فلا بد من أن ترتبط معها، فلا يفصل بينها في الألفاظ، (ولو توسط حل بين العصا ولحائها) الشهاب (1/590)

(لا): لماذا لم يقل سبحانه (لن يرجعوا) وإنما (لا يرجعون)؟

الجواب: لأن لا تستعمل للتأبيد. لذا نفى الله تعالى عن نفسه صفات النقص بـ (لا): (لا تأخذه سنة ولا نوم)، (ولا يؤده حفظهما)، (لا يضل ربي ولا ينسى).

بينما تستعمل (لن) في نفي المستقبل القريب: كقوله تعالى لما طلب موسى رؤية جلاله، قال سبحانه (لن تراني) أي في الدنيا ولكنه سيراه بإذن الله تعالى في الآخرة.

(يرجعون)

الأولى: لا يرجعون إلى ماذا؟

أ- لا يرجعون إلى الحق. القرطبي

ب- أو لا يرجعون إلى الإقلاع عن ضلالتهم ولا يتوبون إلى الإنابة من نفاقهم. ابن جرير (1/114)

كما قال تعالى (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون).

ج- أو أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا جامدين في مكانهم لا يبرحون، لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون.

د- أو لا يرجعون إلى الإيمان الذي كانوا فيه (إلى حالهم الذي كانوا عليه) البقاعي (1/49)

هـ- أو لا يرجعون إلى أي خير فهو تعميم في كل رجوع.

الثانية: ما الفائدة من ذكر هذا؟

آيس الله المؤمنين من أن يبصر هؤلاء رشداً، ويقولوا رشداً، ويقولوا حقاً، أو يسمعوا داعياً إلى الهدى، أو أن يذكروا فيتوبوا من ضلالتهم. كما آيس من توبة قادة الكفار وأهل الكتاب (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) ابن جرير (1/114)

الثالثة: كيف وقد رجع بعضهم عن النفاق وحسن أمره؟

الجواب:

ما داموا على ما هم عليه من الإصرار والسعي فيه فلا يرجعون (ما داموا على أمرهم مقيمين)

قال ابن عباس: (لا يرجعون إلى الهدى ولا إلى خير، ولا يصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه). ابن جرير (1/114)

كحال الكفار (إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون)

الرابعة: لماذا قال في حق المنافقين: (فهم لا يرجعون) بينما في حق الكفار (فهم لا يعقلون)؟

الجواب:

أ- أي المقصود به الرجوع إلى النور.

أولاً: قال الله تعالى في المنافقين (لا يرجعون) أ- أي المقصود به الرجوع إلى النور (فهم لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه). بدائع التفسير (1/276) والذي كان حولهم بعد أن تلبسوا به واستناروا. بدائع التفسير (1/283)

ب- أو لأن الله تعالى قد ذهب بنورهم وطفئ فلم يكن لهم ما يستضيئون ويرجع إليه فنفى عنهم وجود ما يرجعون إليه من ضياء يرفع حيرتهم. انظر ملاك التأويل (1/35)

ج- أما لأنهم خالطوا أصحاب الإيمان فلما فارقوهم بنفاقهم لم يرجعوا إليه مرة أخرى (لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان). البدائع (1/276)

ثانياً:

1- بينما سلب العقل عن الكفار إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان. البدائع (1/276)

2- ولأنهم لم يعقلوا الإسلام ولا دخلوا فيه ولا استناروا به بل لا يزالون في ظلمات الكفر. البدائع (1/283)

3- لأن الله سبحانه مثل حال الكافرين بحال الغنم في كونها يصاح بها وتنادى فلا تفهم عن راعيها ولا تسمع إلا صوتاً لا تعقل معناه، ولا تفهم ما يراد به. الملاك (1/35) قال تعالى (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً. صم بكم عمي فهم لا يعقلون).

4- كذلك الكفار في خطاب الرسل إياهم، فلا يجيبونهم، ولا يعقلون ما يراد بهم. الملاك (1/35)

5- وهم لم يخالطوا المؤمنين كحال المنافقين الذين أضاءت النار ما حولهم بينما الكفار في ظلمة لم يقتربوا ولم يضئ ما حولهم.

الخامسة: قال سبحانه (لا يرجعون)، لم يذكر سبحانه المرجوع عنه، لا يرجعون عن ماذا؟

الجواب:

المراد التعميم في كل رجوع، لا يرجعون إلى الإيمان ولا إلى النور وإلى أي نوع من أنواع الخير ما داموا على نفاقهم.

 

 

 


 

 

جزء جديد 15

 

(أو كصيب من السماء في ظلمات ورعد وبرق، يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين).

 

المقصود العام:

شبه الله تعالى أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مَثَل لما يعتقدونه من الكفر.

والرعد والبرق مَثَل لما يُخَوّفون به. القرطبي (1/ .....)

ابن كثير: (مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم كصيب. (1/83)

قتادة: أخبر عن قوم لا يسمعون شيئاً إلا ظنوا أنهم هالكون فيه حذراً من الموت. ابن جرير (1/120)

ضرب الله المثل الصيب لظاهر إيمان المنافق، ومثل ما فيه من ظلمات بضلالته، وما فيه من ضياء برق بنور إيمانه، اتقاءه من الصواعق بتصيير أصابعه في أذنيه بضعف جنانه وتحير فؤاده من حلول عقوبة الله بساحته، ومشيه في ضوء البرق باستقامته على نور إيمانه، وقيامه في الظلام بحيرته في ضلالته وارتكاسه في عمهه.

فهو كمثل غيث سرى في مزنة ظلماء وليل مظلمة يحذوها رعد ويستطير في حافاتها برق شديد لمعانه، كثير خطرانه، يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ويختطفها من شدة ضيائه ونور شعاعه، ويهبط منها نار ذات صواعق تكاد النفوس من شدة أهوالها زواهق. ابن القيم (1/276-277)

ضرب الله سبحانه لهم مثلاً آخر مائياً.

فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل u من عند رب العالمين تبارك وتعالى على قلب رسول الله r ليحيي به القلوب والوجود. انظر ابن القيم (1/ 276-277)

فشبه مصيب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصبوب أي ينزل من علو إلى سفل.

فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر.

المقصود من الصيب حياة البلاد والعباد والشجر والدواب، وتلك الظلمات التي فيه، والرعد والبرق مقصود لغيره. وهي وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب.

شبه نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا (ظلمات ورعد وبرق) ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب.

فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد، وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته.

ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام وهكذا شأن كل قاصر النظر، ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب.

وهذه حال أكثر الخلق إلا من صفت بصيرته.

فلا يرى المنافق من الجهاد إلا التعب والمشاق والتعرض لإتلاف المهجة والجراحات الشديدة وملامة اللوام ومعاداة من يخاف معاداته.

ولا يشهد ما يؤول إليه والعواقب الحميدة وغايات المتسابقين والمتنافسين. وكذا من عزم على الحج لا يرى في سفره إلا مشقة السفر، ومفارقة الأهل والوطن، ومقاساة الشدائد وفراق المألوفات.

ولا يشهد مآله وعاقبته. انظر بدائع التفسير (1/ 276-277)

حال المنافقين حال الضعيف البصيرة، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد والزواجر والنواهي والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن المفاسد والخبائث وتأخذ بها إلى صلاح النفس والحصول على الكنوز العظيمة والمصالح الكبرى والتجارة الرابحة يراها أشق شيء عليه. ابن القيم (1/186)

(فإنه قد عمي قلبه، ولم يجاوز بصره الظلمة، ولم ير إلا برقاً يكاد يخطف البصر، ورعداً عظيماً وظلمة. فالوحشة لازمة له والرعب والفزع لا يفارقانه).

مسألة: لم أخر المثل الثاني المائي عن المثل الناري؟

الجواب:

أ- لأنه سبحانه يتدرج في البيان من الأهون إلى الأغلظ. فالمثل المائي (الثاني) أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته. الكشاف (1/41)

ب- ففيه صفات جديدة لهم زيادة على ما وصف في المثل الأول ونوع آخر غير الذي ذكر في المثل الأول.

الثانية: لا يضاف الشك إلى الله تعالى في شيء، إذ لا يعزب عنه شيء فكيف يقول سبحانه (أو كصيب)؟ ابن جرير (1/115)

 

 

الجواب:

أ- لأنه مثل آخر لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة ويشكون تارة أخرى. فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم كصيب. ابن كثير (1/83)

ب- بعضهم يتحقق فيه المثل الأول، وبعضهم الآخر يتحقق فيهم المثل الثاني. فهم ما بين هذين المثلين. فلا يصلح أن يقول سبحانه (وكصيب) لأن ذكر الواو هنا يقتضي تحقق هذين المثلين في كل منافق. بينما المقصود أن بعضهم يتحقق فيه المثل الأول وآخرون يتحقق فيه المثل الثاني، وقد يجتمع المثلان في مجموعة أخرى منهم في أحوال متعددة. فلا يصلح إلا (أو) فيها.

ما المقصود به في المثل المضروب:

أ- مثل الله تعالى القرآن بالصيب:

الذي به حياة القلوب كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان. ابن القيم (1/285)

ب- أو (ظاهر ما أظهر المنافقون بألسنتهم من الإقرار والتصديق). ابن جرير (1/121)

لماذا نكر المولى (صيب) ولم يقل سبحانه (كالصيب)؟

أ- أريد به نوع من المطر شديد هائل. الكشاف (1/41) يستنكره الناس لندرة وقوع مثله.

ب- التنكير للتهويل والتعظيم. الشهاب الخفاجي (1/608-609)

ج- والتكثير. الشهاب (1/610)

مسألة: من المعلوم أن الغيث والمطر لا ينزلان إلا من السماء، فلو كانت الآية (أو كصيب فيه ظلمات ورعد وبرق) لحقق المقصد. فلماذا أضيفت السماء وذكرت معرفة، والقرآن فيه إيجاز في اللفظ مع الوفاء بالمعنى؟

أ- لو قيل كما زعم دون ذكر السماء: لفهم منه أنه مطر أو غيث، ولكن قد يكون قليلاً وقد يكون كثيراً (وقد يكون من بعض الآفاق) وبعض الجهات. انظر الشهاب (1/609)

ب- ولكن لما ذكرت السماء ومعرفة علم بأن الغيم قد ملأ السماء التي فيها القوم.

ج- فالتعريف يفيد العموم والاستغراق، أي غمام (محيط وشامل) الخفاجي (1/609)

د- فتحت الغيث من جميع الجهات والأطراف وبغزارة وشدة وقوة لأن الغمام ملأ السماء وسد الآفاق.

هـ- فهو غمام مطبق آخذ بآفاق السماء. الكشاف (1/41) انظر الشهاب (1/609)


 

 

 

جزء جديد 16

 

قال سبحانه (فيه) ولم يقل [معه ظلمات ورعد وبرق]

 

الجواب:

أولاً: المقصود بالظلمات مثل لما يعتقده المنافقون من الكفر. القرطبي/ ابن جرير عن ابن عباس (1/119) (ما يستبطونه من الشك والتكذيب ومرض القلب) ابن جرير (1/121) والضلالة. ابن جرير (1/119) والابتلاء. ابن جرير (1/120) والعمى. (القرطبي) وعدم الاهتداء للحق. الجمل (1/35) والحيرة في الدين والدنيا. الجمل (1/35)

أ- خالطه واستقر فيه، فكأنه موضع للظلمات والرعد والبرق فالرعد والبرق والظلمات في أعلاه، ومصبه (السحاب) وملتبسين به، فهما فيه. الكشاف (1/41)

ب- فكأنه موضع للظلمات والرعد والبرق.

ج- فالرعد والبرق والظلمات في أعلاه، ومصبه (السحاب) وملتبسين به، فهما فيه. الكشاف (1/14)

د- بل قد يكون المطر قد نزل من الطبقة العليا من السحاب وليس من الجزء الأسفل من السحاب. فيكون قد خالطه في نزوله من الطبقة العليا من السحاب إلى الطبقة السفلى منه بالإضافة إلى ظلمة السحاب مع ظلمة الليل وقوة المطر النازل.

أن المطر كما ينزل من أسفل السحاب ينزل من أعلاه. فيشمل الفضاء الذي فيه الغيم، فهما جزء من المطر متصل بالسحاب). الخفاجي (1/611)

ثانياً: المقصود بالرعد: مثل لما يُخَوَّف المنافقون به. القرطبي (1/153) ابن جرير ...... عن ابن عباس (1/120) والحذر من الفتن. ابن جرير (1/119) وما في القرآن من الوعيد والزجر. القرطبي (1/153) والتهديد والعقوبات والمثلات التي حذر من خالف أمره. ابن القيم (1/285) وأنه منزلها على من كذب رسول الله r وما هم عليه من الوجل من وعيد الله إياهم على لسان رسوله r في آي كتابه، والقرآن الذي (ينادى عليهم بالفضيحة). البقاعي (1/49)

وعن ابن عمر أن النبي r كان إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك). القرطبي

ثالثاً: المقصود بالبرق: مثل لما يُخَوَّف به المنافقون. القرطبي وما في القرآن من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحياناً أن تبهرهم، والإيمان. ابن جرير (1/119) وما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان.

الرابعة: لماذا أفرد سبحانه الرعد والبرق. لماذا لم يجمع الرعد والبرق كما جمع الظلمة فقال سبحانه (ظلمات) هلا قيل (فيه ظلمات ورعود وبروق)؟

الجواب:

أما جمع ظلمات لاختلاف موضع الظلمة: فهو ظلمة الليل وظلمة الغمام، وظلمة المطر الغزير. وأما الرعد فموضعه واحد وهو السحاب، وكذا البرق.

ثم لو جمع الله تعالى البروق لدل على كثرتها وتراكمها ولزالت شدة الظلمة حينئذٍ. انظر الخفاجي (1/615)

وإنما البرق متقطع غير متراكم فيأتي مفرداً لذا قال سبحانه (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا). وكذا الرعد لأنه مصاحب للبرق وصادر عن حدوثه.

الخامسة: لماذا قدم الرعد على البرق بالرغم من تقدم البرق على الرعد في واقع الحال؟

الجواب: لأنه يسبق إلى قلوب المنافقين الخوف على الضياء الموجود في الوحي وكلام الله تعالى.

السادسة: لماذا نكر الرعد والبرق (رعد وبرق)؟

الجواب:

- للتنويع: انظر الكشاف (1/41)

صوت الرعد ليس محدداً معرفاً على نمط واحد، بل أصوات مختلفة، ومتدرجة، ومضطربة. تارة ضعيف لأنه من جهة الآفاق، وتارة صوت شديد يصم الآذان لأنه من فوق القوم للدلالة على إحاطة أصوات الرعد بهم من الآفاق، وعلى رؤوسهم من جميع الجهات.

وكذا البرق: يتفاوت البعيد والقريب، مع كون البروق ليست كثيرة، فهي قليلة متنوعة فجاءت نكرة.

ثم للتهويل والتعظيم (لاسيما مع التنويه) صوت منكر لشدته فهو غير مألوف ولا معروف، رعد قاصف وبرق منكر لشدته وقوته ولهوله وعظمته فهو خاطف يدل عليه قوله تعالى (يجعلون أصابهم في آذانهم من الصواعق). الجمل (1/33)

السابعة: لماذا وردت مضمومة (ظلمات ورعد وبرق)؟

لأن العرب تستخدم حركة الضمة لأشد الأحوال. فهي ظلمة شديدة هائلة، ورعد شديد هائل، وبرق هائل.

 

 

جزء جديد 17

 

(أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق..)

 

(يجعلون)

أولاً: المقصود:

أ- وصف الله تعالى المنافقين بهذا الوصف (يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) فهو مثل لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلك الذي توعدوه بساحتهم كما يجعل سامع أصوات الصواعق أصابعه في أذنيه حذر العطب والموت.

ب- بيان لشدة الرعد والبرق وهولهما يوضح حالهم من الرعد (يجعلون أصابعهم في آذانهم) وحالهم من البرق (يكاد البرق يخطف أبصارهم)

ثانياً: ما الحكمة أنها وردت (يجعلون) ولم ترد (يدخلون أصابعهم في آذانهم)؟

الجواب:

1- لأن جعل شيء في شيء أدل على إحاطة الثاني بالأول من إدخاله فيه. الخفاجي (1/618) أي إحاطة الآذان بالأصابع.

2- يجعله فيه يريد إدخاله وإن لم يدخل، وإن استصعب دخوله. بينما لو قال سبحانه يدخلون لدل على قابلية دخول كل الأصابع في الأذن والأمر ليس كذلك وإنما محاولات عدة لإدخالها كلها لشدة الاضطراب مع تمنع الأصبع من الدخول.

3- الجعل: هو التصير مع طول البقاء: (جعل لكم الأرض فراشاً) (جعل القمر فيهن نوراً) (جعلوا القرآن عضين) (وجاعلوه من المرسلين) (فجعلناهم كعصف مأكول) (جعلناه قرآناً عربياً). أي صيروا أصابعهم في آذانهم مدة طويلة لشدة الخوف والرعب والعناد.

تبين من ذلك أن (يجعلون) دلالة أبلغ من (يدخلون) إذ دلت على المحاولات المتكررة في إدخال الأصابع في الآذان لشدة خوفهم ثم لما رأوها لم تدخل فيها ألقوا الأصابع عليها مدة طويلة لشدة خوفهم ورعبهم. فلم يروا البشارات والخيرات والرحمة التي ملأت كتاب الله تعالى فما رأوا فيه إلا العقوبات.

من المعلوم أن الذي يُجْعل في الأذن رأس الأصبع وليس جميع أجزاء الأصبع.

فلماذا قال سبحانه (أصابعهم) ولم يقل (أناملهم)؟

الجواب:

أ- فيه من المبالغة ما ليس في الأنامل. فلشدة صوت الرعد، لم يكتف بوضع الأنملة، ولهول صوت الرعد المخيف أراد أن يدخل جميع الأصبع ليخفف صوت الرعد في أذنه.

ب- ولشدة خوفه أدخله بقوة ولو قدروا لحشوا الكل لشدة خوفهم. البقاعي (1/49).

ج- لذا قال سبحانه (في آذانهم) أي مستقراً في الآذان.

فيه إشارة إلى أن إدخالها على غير المعتاد مبالغة من الفرار من شدة الصوت، فكأنهم جعلوا الأصابع جميعها) الجمل نقلاً عن الكرخي (1/34)

(في)

الاستقرار

حكى عن أبي عثمان المازني أنه حضر مجلس الخليفة الواثق، فذكروا فيه قول

أظلوم إن مصابكم رجلاً أهدى السلام تحية ظلم

فاختلف أهل مجلسه في إعراب رجل، فمنهم من قال: هو نصب، وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، وأصر أبو عثمان المازني أنه منصوب فأمر الواثق بإحضاره إلى بين يديه، قال: فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن؟ أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة؟ قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي فقال لي: بااسمك؟ وقومي يقلبون الميم باء والباء ميماً، فكرهت أن أواجهه بلفظة مكر فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته وأعجب به فسأله عن إعراب (رجلاً) فأجابه، ثم أمر له بألف دينار.

ثالثاً: الأصبع الذي تسد بها الأذن أصبع خاصة وهي السبابة؟

فلم ذكر الاسم العام (الأصبع) دون الخاص (السبابة)؟

الجواب:

أ- لأن السبابة من السب فكان اجتنابها أولى بآداب القرآن.

ألا ترى أنهم استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والمهللة والدعاءة. الكشاف (1/42)

كما خاطب الأنصار النبي r في أسرى بدر وكان منهم العباس t عم النبي r فقالوا له: هلا خليت سبل خالنا ولم يقولوا عمك تأدباً مع النبي r.

وسئل العباس عن النبي r: أيكما أكبر سناً؟ فقال: ”هو أكبر مني وأنا ولدت قبله“.

عن السواك ومحاسنك يا أمير المؤمنين

ويروى عن الرشيد أنه رأى ابنه الصغير وبيده سواك. فأراد أن يختبر أدبه فقال له: ما هذا الذي في يدك؟ فقال: ”محاسنك يا أمير المؤمنين“ فاستحسن الرشيد ذلك منه أن لم يقل له ”مساويك“

ب- وقيل بسبب الربكة والذهول والاضطراب الذي أصابهم ومن فرط دهشتهم يدخلون أي إصبع كانت في آذانهم ولا يسلكون المسلك المعهود) وليس خاصاً في السبابة. الخفاجي (1/618)

رابعاً: هلا ذكر بعض الكنايات بدلاً من الأصبع كأن يقول: المسبحة، المهللة؟

الجواب: هذه ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العصر إنما استحدثوها بعد ذلك. الكشاف (1/42)

فجاء بها الإسلام ولم تعرفها العرب. من التسبيح والتهليل فيها يسبح ويهلل بالتوحيد.

اصطلاحاً:

1- نار تسقط من السماء من رعد شديد. القرطبي

2- الصوت الذي يميت سامعه أو يكاد. البقاعي (1/49)

3- وقيل صيحة العذاب قال الله تعالى (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون) القرطبي

4- قيل: (الصيحة الشديدة من صوت الرعد يكون معها القطعة من النار) الجمل (1/34)

وقيل: (ريح سحابي تنتهي إلى الأرض بحدة اشتعال ونفوذ) الخفاجي (1/620)

وصعق الرجل صعقة: أي غشى عليه وفيه قوله تعالى (وخر موسى صعقاً) وقال تعالى (فصعق من في السماوات ومن في الأرض) أي مات الموت لشدة الصوت. القرطبي

د- المقصود:

1- الصواعق: مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. القرطبي

2- قيل: تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة. القرطبي

3- الوجل من أن يحل بهم وعيد الله، لشكهم فيه هل يكون يتحقق الوعيد أم لا يتقونه بالإقرار بما جاء رسول الله r بألسنتهم مخافة الهلاك ونزول النقمات. ابن جرير (1/121)

ب- المقصود:

1- الحذر من القتل على الذي هم عليه من الخلاف والتخوف منكم. ابن جرير (1/119)

2- وقيل: كان المنافقون إذا حضروا مجلس رسول الله r جعلوا أصابعهم في أذانهم خوفاً. من كلام النبي rأن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء فيقتلوا. ابن جرير (1/119)

3- ابن جريج: ليس شيء في الأرض سمعه المنافق إلا ظن أنه يراد به وأنه الموت كراهية له. والمنافق أكره خلق الله للموت. ابن جرير (1/120)

4- وقيل: (يسدون آذانهم من سماع القرآن حذر الميل إلى الإيمان الذي هو بمنزلة الموت عندهم) فيموت ولا يفارق دين آبائه أو يتبع من المحسود. الجمل (1/35)

لماذا ذكر اسمه سبحانه في قوله تعالى (والله محيط بالكافرين)

للبيان بعدم فواتهم من قبضته وعقوبته ولعظمة العقوبة لما نسبت إلى جلاله، وأنه سبحانه هو أصل هذا الدين فهو سبحانه المتكفل بحفظه وعقوبة من أعرض عنه

أ- حَذَرُهم وإشفاقهم غير منجيهم من نزول العقوبة بهم وحلولها بساحتهم إما عاجلاً أو آجلاً. ابن جرير (1/122). لا يجدي حذرهم شيئاً. ابن كثير (1/83)

لماذا قال سبحانه (والله محيط بالكافرين) ولم يقل (والله محيط بالمنافقين)، ولم يقل (بهم)

الجواب:

1- للبيان بأن حقيقة أمرهم أنهم عند الله كفار، ولهم أحكام الكفار عند جلاله. وهذا الحكم لجميع المنافقين نفاقاً اعتقادياً قلبياً.

مسألة ثانية: لم يقل سبحانه (والله محيط بهم) فلماذا أظهر وصفهم؟

2- (أظهر موضع الإضمار لإعراضهم عن القرآن وسترهم لأنواره). البقاعي

ففضحهم الله تعالى، ووصفهم بأنهم كافرون ليسوا مسلمين.

3- وللتعليل: أن الله تعالى مهلكهم لأجل كفرهم. وهددهم لأجل كفرهم فعبد به إشعاراً باستحقاق ذوي الصيب ذلك العذاب لكفرهم. الخفاجي (1/623)

مسألة ثالثة: ما فائدة ذكر (والله محيط) في هذا الموضع؟

الجواب: للدلالة على اشتغالهم بما لا يفيدهم من سد الآذان حذر الموت وقد أحاط بهم الهلاك بما كسبت أيديهم. الخفاجي (1/623)

 

 

 

 

 


 

 

 

جزء جديد 18

 

(يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير)

 

المسألة الأولى: ما الحكمة من قوله تعالى مع الإضاءة (كلما) ومع الإظلام (إذا)؟

هلا قيل فيها (كلما أضاء لهم مشوا فيه، وكلما أظلم عليهم قاموا)؟

الجواب: أ- (كلما) تفيد التكرار وتفيد الحرص والمحبة بينما (إذا) لا تفيد التكرار ولا تفيد الحرص. انظر الخفاجي (1/630-631) قال سبحانه (كلما) لشدة حرصهم على المشي عند الإضاءة. انظر البقاعي (1/ 49-50)

فهمهم معقود به فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، فقال تعالى (كلما) وليس همهم معقود على التوقف عند الإظلام لذا قال سبحانه فيه (إذا). انظر الكشاف (1/43)

ب- (كلما): أصلها (كل) و(ما): أي في جميع الأحوال لا يستثنى منه حالة (فهم لا يفترون عن المشي عند الإضاءة). البقاعي (1/50) الخفاجي (1/31) بينما (إذا) تعني في أغلب الأحوال

د- فهم لا يريدون الإظلام وليس في كل الإظلام يقومون، بل قد يقع منهم مشي يسير في الإظلام. وهكذا المنافقون قد يقع منهم مصاحبة المؤمنين في بعض الأمور والأعمال التي يكرهونها. كما وقع منهم الخروج مع النبي r في تبوك.

ما الحكمة من ورود زيادة (عليهم)؟

أي علاهم وغطاهم من جميع الجوانب. فدل على شدة الظلام، ظلام حالك ودامس.

المسألة الثالثة: السائر في طريقه إذا أضاء له البرق رأى طريقه القريب والبعيد وقام بتحديده فإذا ذهب البرق سار على الخط الذي رسمه لنفسه حال لمعان البرق، فلماذا قاموا؟

الجواب:

1- لا يقدرون على التقدم خطوة واحدة، إذ ليست لهم بصائر يسيرون بها. البقاعي (1/50)

2- ثم هم لا يخططون للمستقبل البعيد، بل نظرهم دائماً للعاجل فلا ينظرون إلى مصالحهم الحقيقية والآجلة.

3- لا يبحثون عن الهدف الصحيح والغاية الأسمى عند لمعان البرق، بل دائماً غارقون في المصالح الصغرى القريبة وإن كان معلوماً ضررها.

4- وبسبب جبنهم وخزيهم ليست لهم شجاعة للتقدم والمحاولة مما يعكس شدة حيرتهم وشدة جزعهم، فما أكملوا الطريق بل يقفون عند كل مصيبة ومشكلة، ففي كل مشكلة يقفون.

5- ثم هم لا يقيسون، ولا يعملون بغلبة الظن لبلادتهم وعمى البصيرة.

6- كما أن هذا في الدنيا فكذا أحوالهم في الآخرة على الصراط. هكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم، فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ وأكثر من ذلك وأقل، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى، فيمشي على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره بالكلية، وهم الخلص من المنافقين (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً) انظر تفسير ابن كثير (1/83)

قال الضحاك: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نوراً، فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين. تفسير ابن كثير

(قاموا):

المسألة الرابعة: ما الحكمة من قوله سبحانه (قاموا) ولم يقل سبحانه (وقفوا)؟

أ- القيام:

1- فيه معنى الانتصاب كما قال تعالى (قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم)، (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً)

2- والملازمة، يقال: القيم على كذا أي الملازم له، قال سبحانه (إلا ما دمت عليه قائماً) أي ملازماً له.

3- والدوام: على هذا الوضع.

فالمقصود: إذا أظلم عليه انتصبوا في أماكنهم، ولازموا أماكنهم، واستمروا وداوموا على هذا الانتصاب وهذا اللزوم للمكان.

ب- ولشدة خوفهم واضطرابهم انتصبوا ولم يقعدوا (لا يستطيعون القعود ولا السكون) ولازموا أماكنهم ولم يفارقوها وداوموا على هذا الوضع.

ج- وفي الانتصاب إشارة إلى أنهم يتحفزون في أي لحظة يأتي البرق لينتهزوه فرصة، ويترقبون ذلك، وهكذا المنافقون ينتهزون فرصة الفتح على المؤمنين ليقولوا (ألم نكن معكم) ليشاركوهم في الغنائم والأموال والسبايا.

هـ- أما الوقوف: فهو المكث قد يكون مع جلوس (كالوقوف بعرفة) وكالوقف وهو عين مكثت لا تباع ولا تشترى) وهو السكون: وقف في هذا المكان أي سكن فيه.

فالقيام أبلغ من الوقوف في هذا الموضع لأنه يجمع بين الانتصاب والتحفز لشدة الخوف والاضطراب والملازمة والدوام.

(ب): لِمَ لم يقل الله تعالى: لأذهب سمعهم وأبصارهم:

لأن ذهاب الله تعالى به أبلغ من إذهابه إياه. لأنه سبحانه إذا ذهب به فمن ذا الذي يقدر على رده. وهو مصاحب لله تعالى في الذهاب، فهو في قبضة الله تعالى.

د- لماذا خص السمع والبصر؟

1- لتقدم ذكرهما في الآية أولاً وهو قوله تعالى (يجعلون أصابعهم في آذانهم)، (يكاد البرق يخطف أبصارهم). ابن جرير (1/123)

2- ولأنهما أشرف الجوارح في الإنسان وقوله سبحانه (فيه ظلمات ورعد وبرق) وهذا يعرف بالسمع والبصر.

ثانياً: لماذا قدم السمع على البصر؟ في قوله تعالى (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم)؟

- لأن السمع يدرك من الجهات الست بينما البصر فقط من الجهة المقابلة فالسمع أولى بالتقديم – السمع يدرك الكليات والجزئيات، والغائب والشاهد، والموجود والمعدوم بخلاف البصر الذي يدرك فقط المرئيات المشاهدة.

- بالسمع تنال السعادة الدنيوية والأخروية، فيه تحصل متابعة الرسل وقبول رسالاتهم، فمن لا سمع له لا يعلم ما جاؤوا به لذا يحتج يوم القيامة الأصم بصممه في عدم الاهتداء لعدم قدرته. وليس كذلك الأعمى.

 

 

 

 

البث المباشر
يمكنك متابعة البث المباشرة لدروس الشيخ عدنان عبد القادر، من خلال الموقع

لا يعمل البث إلا مع الدروس
يمكنك معرفة المزيد عن خدمة البث المباشر
إضغط هنا






من تويتر






عدد الزوار
free counters